الإعلام من أفواه اللئام
«... تعيشان جنباً الى جنب في سلام وأمان». لو قلت لك: أكمل هذه العبارة بوضع كلمات مناسبة مكان النقط لقلت لى على الفور:«دولتان، فلسطينية وإسرائيلية ....»، هذه الجملة هى إحدى «منحوتات» الإدارة الأمريكية لتسويق فكرة الدولتين، وقد صيغت بعناية وأُلبِست ثوباً من كلمات مخملية ناعمة هي «جنبا إلى جنب»و«سلام وأمان».
وهكذا ترى فى الإعلام الدولي كثيراً من الجمل التى تم تركيبها بعناية بالغة، وأصبحت من مألوفات هذا الإعلام وثوابته، فهي تضع المتلقي أمام مفاهيم جديدة تغير من نظرته للأشياء وتعيد صياغة قناعاته ليتقبل أمراً لم يكن يتقبله، أو ليدرك شيئاً ما ويتصوره على غير حقيقته.
وقد نجح الإعلام الغربي فى “بَرْوَزَة” بعض الصور النمطية وتثبيتها في عقولنا، مثل “الشرق الأوسط” كبديل عن الشرق العربي؛ لوجود الكيان الصهيوني ضمن دول المنطقة حالياً، وكذلك “الشرعية الدولية”، التي هي في الأصل مجموعة القوانين والقرارات التي تحكم علاقات الدول وتنفذها منظمات كالأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، ولكنها - عند اللزوم - تتحول إلى عنوان للتغطية على جرائم الدول العظمى، كما حدث في احتلال أمريكا للعراق وأفغانستان.
أما الإعلام العربي فقد نجح بجدارة فى تبرير الهزائم وتحويلها إلى مسميات خادعة مثل “النكبة” و”النكسة”، وهو الإعلام الوحيد الذى يحول لقاءات الرؤساء والملوك والأمراء إلى مضامين إعلامية باهتة مثل: “بحث الزعيمان تطورات الأوضاع فى المنطقة والعلاقات الثنائية بين البلدين”.
أقول قولى هذا بمناسبة الترويج الإعلامي لفكرة “دولتان تعيشان جنباً إلى جنب فى سلام وأمان” التى رد عليها نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني عملياً مساء الأحد الماضي حين تحدث عن دولة فلسطينية منزوعة السلاح مجزأة الأطراف، لاتقبل عودة اللاجئين، ولا العودة إلى حدود 1967، وليست القدس عاصمة لها. بهذا وجَّه نتنياهو صفعة قوية للجميع، وأفرغ كلمات المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط جورج ميتشل من مضمونها، بعدما تحدث الأخير- في مؤتمر صحفي عقده في باريس قبل ساعات من خطاب نتنياهو- عن حل الدولتين وردد نفس العبارات (غير المأثورة).
إنه الإعلام من أفواه اللئام.. فلننتبه.


