العدد 301 - 2014-04-16 - 16-06-1435

بيــن الأمــن الروحي والأمــن القومـــي

 

لقد أصبح واضحا للجميع، بما لا يدع مجالا لأي شك أو تأويل، حجم الاستهداف الذي بات يهدد المجتمع في أسسه ومكوناته، الحضارية والدينية والقيمية، سواء من خلال اشتداد الحملات والهجومات على منظومة القيم والأخلاق والهوية واللغة والتاريخ، حتى بلغت الجرأة ذروتها في ذلك، إلى الإعلان والمجاهرة بالأهداف والمخططات، أو من خلال العمل على إشاعة الظواهر الشاذة ، باسم الحرية الشخصية والحقوق الفردية، أو من خلال التطاول على المرجعية الإسلامية باسم الكونية والمواثيق الدولية، أو التهجم على الأحكام الشرعية الثابتة والقطعية، باسم الحداثة، أو من خلال استهداف اللغة العربية، والتضييق عليها وتهميشها.

 

كل ذلك فضلا عن دخول المنصرين والمبشرين على الخط، ، لتنفيذ مخططاتهم الهادفة إلى زعزعة عقائد المسلمين، وزرع أقليات دينية، بشكل علني ومنظم.

وبما أن الحديث في هذا المقام والنقاش يتركز حول حماية الأمن الروحي للمجتمع، فإننا حينما نبحث في المفاهيم المتعلقة بذلك ، نجد أن مفهوم الأمن هو مفهوم شامل، وذلك بما يعنيه ويدل عليه، من إزالة الخوف، والتهديدات، وتوفير الأمان، والسلامة، والاطمئنان، في شتى الجوانب المتعلقة بحياة الفرد والمجتمعات والدول، ومنها طبعا تلك المتعلقة بالجانب الروحي.

فبالرجوع إلى القرآن الكريم نجد أن كلمة الأمن قد وردت في مواضع كثيرة، حيث يقول الله تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) ويقول: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا). ويقول سبحانه (ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة) ، وغيرها من الآيات التي تجعل الأمن ضد الخوف والتهديد.

وإذا تأملنا في السياسات الدولية سنجد أن مفهوم الأمن أصبح يأخذ أبعادا كبيرة وشاملة وإستراتيجية، حيث شاعت مفاهيم «الأمن القومي الأمريكي»، و«الأمن القومي العربي»، و«أمن البحر الأبيض المتوسط»، و«أمن البحر الأحمر»، و«أمن الخليج العربي»، وغيرها من المفاهيم.

وبالرجوع إلى المدارس الفكرية الغربية، فإننا نجد أن أقدم تعريف للأمن، نال نوعا من الإجماع بين الدارسين، هو تعريف أرنولد وولفرز لعام 1952: حيث اعتبر أن «الأمن يرتبط موضوعيا بغياب التهديدات ضد القيم المركزية، وبمعنى ذاتي هو غياب الخوف من أن تكون تلك القيم محل هجوم».

أما أحدث التعريفات وأكثرها تداولا، فهو تعريف باري بوزان ، أحد أبرز المتخصصين في الدراسات الأمنية، حيث يعرف الأمن بأنه:«العمل على التحرر من التهديد».

أما هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، فإن الأمن بالنسبة إليه يشمل:«أي تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء».

وبالنظر إلى كل هذه التعريفات وغيرها، وارتباطا بما يجري في الساحة الوطنية، فإننا نقول أن حماية الدين وحماية الأخلاق والقيم، هو أساس الحفاظ على الأمن الروحي للمجتمع، وأن الحفاظ على الأمن الروحي هو جزء لا يتجزأ من الحفاظ على الأمن القومي، بل إن الحفاظ على الأمن الروحي، لا يتم إلا بحفظ الدين، ولذلك نجد علماء المقاصد يضعون حفظ الدين في المرتبة العليا عند ترتيب المقاصد الضرورية للشريعة، ثم يأتي بعده حفظ النفس والعقل والمال والنسل، وهو ما يعني أن حفظ الدين هو الدرجة الأعلى في سلم المقاصد الأساسية للشريعة.

وكما جاء عند الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة، فإن «حفظ الدين معناه حفظ دين كل أحد من المسلمين أن يدخل عليه ما يفسد اعتقاده وعمله اللاحق بالدين، وحفظ الدين بالنسبة لعموم الأمة هو دفع كل ما من شأنه أن ينقض أصول الدين القطعية»، حفظه سواء من الأهواء، لأنه إذا استبدت بالإنسان أهواؤه وشهواته، فإنه سوف يؤول إلى انتهاك الضوابط والقيم بما فيها الأحكام الشرعية، ويجعل التدين عرضة للتلاشي.أو سواء حفظه من الإرجاف، الذي يسعى إلى الطعن والتشكيك في الدين من الأساس، ويسعى إلى زعزعة عقيدة المسلمين.

وإذا كان الحفاظ على الأمن الروحي للمجتمع بهذه الأبعاد كلها، فإنه من المؤكد أنه يحتاج إلى مقاربة شاملة متكاملة ومندمجة، تجمع بين الأبعاد التربوية، والتعليمية، والثقافية، والإعلامية، والأمنية، وهذه المقاربة بهذه الشمولية، لابد أن تتكامل فيها الجهود من جميع الفاعلين، ومن الواجب على الجميع أن ينخرط فيها ،الدولة (بكافة أجهزتها ومؤسساتها وفي مقدمتها وزارة الأوقاف)، والعلماء، والمفكرون، والجمعيات الثقافية ، والحركات الإسلامية ، والمجتمع المدني، وكل المعنيين من قريب أو بعيد، من أجل الحفاظ على الأمن الروحي وبالتالي الأمن القومي.

 

 

 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb