العدد 187 - 2012-02-01 - 09-02-1433

الصين.. صرخات المسلمين بلا مجيب!

إغلاق المساجد سياسة مستمرة .. والإعدام أسهل الطرق لسحق المعارضين
56-32.jpg

 

على الرغم من عودة السكان إلى ممارسة نشاطهم في أوروميتشي عاصمة إقليم سينكيانج (تركستان الشرقية)، بعد حوالي أسبوع من الاضطرابات التي أوقعت الآلاف خلال أعمال العنف الإثنية، حسبما قدرتها الزعيمة الإيغورية ربيعة قدير المقيمة في المنفى، فيما قدرتها حصيلة رسمية جديدة ما يقارب 184 قتيلاً، فإن ما حدث في منطقة سينكيانج الصينية المأهولة بغالبية مسلمة، شكل صورة فاضحة لممارسات الحكومة الصينية ضد المسلمين في ذلك الإقليم الذي ظل مهمَّشاً لسنوات طويلة، وسلط الأضواء على التوترات الإثنية في هذا البلد الذي يقطنه 1,3 مليار نسمة ويضم 56 مجموعة قومية إحداها الهان التي تهيمن على البلاد وتمثل أكثر من 90% من تعدادها السكاني.

 

انهيار فكرة المجتمع المتناغم

كان العديد من المراقبين يرون أن فكرة «المجتمع المتناغم» التي تطرحها القيادة الشيوعية في الصين قد انهارت بعد ساعات على أحداث العنف ومشاهد الفوضى والرعب التي ضربت سينكيانج. وكان ذلك المفهوم قد أطلقه عام 2004 الرئيس الصيني هُو جينتاو، رئيس الحزب الأوحد في البلاد، والذي أراده موحِّداً لكل الصينيين من بكين وكانتون إلى شنغهاي وأوروميتشي ولاسا، في مجتمع يعمه السلام والازدهار. وذلك في بلد ضخم يتكون من عرقيات مختلفة ويعاني من فجوات في التنمية بين المدن الكبرى والأحياء التجارية الساحلية، وبين القرى النائية في الداخل.

ويبدو أن السياسات الصينية تجاه إقليم سينكيانج (تركستان الشرقية) ستظل تشكل التحدي الأكبر لفكرة المجتمع المتناغم تلك، فعلى الرغم من تأكيدات الحكومة الصينية أنها توفر الحريات الأساسية للأقليات وعلى وجه الخصوص للأقليات المسلمة، فإن الكثير من الأحداث التي طفحت على السطح تؤكد عكس ذلك تماماً.

وإقليم سينكيانج، الذي ينتمي نصف سكانه البالغ تعدادهم 20 مليون نسمة إلى أقلية الإيغور المسلمة والناطقة بالتركية، يقع في غرب الصين وهو ذو أهمية استراتيجية نظراً لمحاذاته لآسيا الوسطى، وهو عبارة عن منطقة شاسعة من الصحارى والجبال قريبة من باكستان وأفغانستان، غنية بالنفط، وكان هذا الإقليم بؤرة للتوتر منذ عدة أعوام، حيث يسعى بعض الإيغور إلى الانفصال عن الصين، المكونة من غالبية عرقية الهان.

ويعتبر هذا الإقليم من أكثر المناطق حساسية في الصين، وتسعى الحكومة في المنطقة إلى إحكام قبضتها عليه بالسيطرة على الحياة الدينية والثقافية مع تعهدها بنمو اقتصادي ورخاء.

ويقول سكان سينكيانج من الإيغور إنهم يتعرضون لقمع سياسي وديني وثقافي في الصين تحت غطاء محاربة الإرهاب. وتشكو الأقلية المسلمة منذ زمن طويل من أن الهان الصينيين ينتقلون إلى سينكيانج حيث يهيمنون على الحياة السياسية والاقتصادية ويجنون معظم فوائد الاستثمار والدعم الرسمي، ويجعلون السكان المحليين يشعرون بأنهم غرباء في ديارهم.

وسعى عدد من زعماء الإيغور الذين يعيشون في المنفى إلى إقامة تركستان شرقية مستقلة في إقليم سينكيانج، واتهمتهم السلطة الصينية بشن سلسلة من الهجمات الإرهابية على مدنيين صينيين منذ تسعينيات القرن الفارط، وألمحت إلى صلاتهم بتنظيم القاعدة. لكن جماعات لحقوق الإنسان قالت إن بكين استغلت دعمها لِما يسمى «الحرب ضد الإرهاب» التي شنتها الإدارة الأمريكية السابقة، لتبرر حكومة الصين حملتها ضد الإيغور.

 

إبعاد الإيغور عن التنمية

إن السبب الرئيسي للاضطرابات هو الشكاوى الاقتصادية والثقافية والدينية المستمرة منذ فترة طويلة، والتي تراكمت على مدار عقود من الحكم الصارم والتي تتحول من فترة لأخرى إلى أعمال عنف، غير أنها لم تحدث على هذا النطاق المميت من قبل قط.

وعلى الرغم من أن إقليم سينكيانج يتمتع بحكم ذاتي منذ عام 1955، فإن الحكومة المركزية في بكين هي المتحكم الفعلي في إدارة ثرواته من النفط والغاز والمنتجات الصناعية، ومع أن الإقليم قد جنى العديد من الفوائد لجهود بكين الاستثمارية، فإن معظم عوائدها تذهب إلى أبناء عرقية الهان الذين يتدفقون منذ سنوات بشكل منتظم إلى الإقليم.

وقد شهد هذا الإقليم منذ ثمانينيات القرن الماضي وتيرة تنموية متسارعة تقوم على اقتصاد المدن والخدمات والطاقة، في حين تبقى إثنية الإيغور المسلمة الناطقة بالتركية منزوية في الأرياف تعتمد على الزراعة.

ووصل الفارق في الإيرادات السنوية بين سكان المدن والقرى عام 2007 إلى ثلاثة أضعافه حيث بلغ 10300 يوان (ألف يورو) لكل فرد يعيش في المدن (لمعدل وطني يقدر بحوالى 13800) في مقابل أقل من 3200 يوان لكل فرد يعيش في القرى (معدل وطني يقدر بـ4140).

إلا أن وتيرة الاستثمارات العامة تسارعت منذ أن أطلقت بكين في 1999/2000 حملة تنمية الغرب الذي كان مهمشاً في ظل النمو الصيني الكبير.

يُشار إلى أن 70% من ثروات المنطقة تأتي من الصناعات النفطية والبتروكيميائية التي تسيطر عليها مؤسسات الدولة.

وأصبح إقليم سينكيانج العام الماضي المنطقة الثانية المنتجة للنفط (27,4 مليون طن) بعد هيلوغنجيانغ (شمال شرق 40,2 مليون طن) ومتقدماً على شاندونغ بعد أن بقي لعقد في المرتبة الثالثة.

ويزيد موقع إقليم سينكيانج الجغرافي من أهميته الاستراتيجية كما مساحته الكبيرة، وتنطلق أيضاً من سينكيانج الواقع على حدود ست دول، خطوط الأنابيب التي تنقل الغاز والنفط من آسيا الوسطى إلى المناطق الصينية الصناعية.

وفي سينكيانج أيضاً موارد مهمة من الفحم الحجري ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية المستصلحة التي يعمل فيها أكثر من 2,2 مليون شخص معظمهم من الهان. وهذه المزارع الحكومية تسيطر على حوالى ثلاثة ملايين هكتار من الأراضي التي تستخدم معظمها لزراعة القطن فيما يسيطر الإيغور على مليوني هكتار بحسب التقديرات.

وقد زاد من حدة التوترات والغبن الناتج عن استبعاد الإيغور عن التنمية الاستعانة بالمهاجرين الهان حتى في الوظائف الوضيعة التي يمكن للإيغور القيام بها. وقد ارتفعت نسبة الهان محلياً في إقليم سينكيانج من أقل من 6% عام 1949 إلى أكثر من 40% اليوم.

 

أسوأ اضطرابات عرقية

بدأت الاضطربات في إقليم سينكيانج يوم الأحد قبل الماضي مع تفجر أعمال عنف عرقي خلفت – حسب المصادر الحكومية الصينية - 184 قتيلاً وأكثر من 800 جريح ومئات المعتقلين حتى الآن. وهذه هي أسوأ اضطرابات عرقية منذ عقود في الإقليم.

وبدأت الاضطرابات في أعقاب احتجاج قام به عدة مئات من المتظاهرين المسلمين من أقلية الإيغور على أسلوب الحكومة في معالجة مصادمات وقعت في يونيو بين عمال صينيين من قومية الهان وبين الإيغور جنوب الصين قتل خلالها إثنان من الإيغور بعد مزاعم غير صحيحة بأن ستة منهم اغتصبوا امرأة من الهان.

وقالت وكالة الأنباء الصينية الرسمية شينخوا إن المحتجين كانوا مسلحين بالسكاكين والحجارة والعصي، وشرعوا بتحطيم السيارات والمحال، ودخلوا في مواجهات مع قوات الأمن الصينية. لكن جماعات الإيغوريين تصر على أن الاحتجاج كان سلمياً، وأنهم تحولوا إلى ضحية لعنف الدولة.

وقال المنفيون خارج الصين من الإيغور إن الشرطة فتحت نيران أسلحتها بشكل عشوائي على مظاهرات سلمية، وأنها فرضت حظراً للتجوال خلال الليل.

ورغم تكثيف اجراءات الأمن بدا أن بعض أعمال العنف تنتشر في الإقليم المضطرب حيث تثور التوترات العرقية من آن لآخر وتتحول لإراقة الدماء.

ويشكو المحتجون من القبض على أقارب لهم بشكل تعسفي في إطار حملة القمع الحكومية عقب اندلاع أعمال الشغب في أوروميتشي عاصمة الإقليم يوم الأحد قبل الماضي وتوعدوا بمواصلة تحديهم للسلطات.

ووقعت اشتباكات حين تقدم محتجون إيغور صوب مئات من شرطة مكافحة الشغب يحملون هراوات ودروعاً. ويقول المحتجون إن الشرطة تلقي القبض على ذويهم لاستجوابهم دونما سبب خلال مداهمات عشوائية في المناطق التي يقطنها الإيغور وأن الوقت قد حان ليردوا.

لكن الإيغور المقيمين في المنفى اتهموا قوات الأمن الصينية بالقيام برد فعل مبالغ به أثناء تفريق تظاهرات سلمية قام بها آلاف الأشخاص وقالوا إن الشرطة أطلقت النار على المتظاهرين عشوائياً. وتم اغلاق الحي المسلم في المدينة فيما نقلت قوات الأمن عدداً كبيراً من الكلاب المدربة إلى المنطقة.

 

فشل محاولات الحل

ظلت التوترات الإثنية مشكلة كامنة ومثيرة للقلق للسلطات الصينية، وفي كل مرة تنفجر فيها تلك التوترات كانت الحكومة الصينية تتعامل معها بشكل قاس، ولم تكن هذه الأحداث الأخيرة هي الوحيدة التي تقض مضجع الحكومة المركزية، فقد جاءت هذه الأحداث المريعة بعد نحو سنة من الاضطرابات الدامية في لهاسا، ففي 14 مارس 2008 اشتعل الوضع في عاصمة التيبت بعد أيام من تظاهرات سلمية. وأثناء تلك الاضطرابات انطلقت مجموعات من الشبان التيبتيين في عمليات «مطاردة للهان»، بسبب الطريقة التي يتعامل بها الهان في الواقع مع الأقليات.

وقبل عام كذلك شهد إقليم سينكيانج ما كانت قد أثارته منظمة «مؤتمر الإيغور العالمي» التي أتهمت السلطات الصينية في الإقليم بهدم مسجد رفض الترويج لدورة الألعاب الأولمبية التي استضافتها بكين في أغسطس من العام الماضي.

ويشهد إقليم سينكيانج بين فترة وأخرى اضطرابات مماثلة، وإن كانت أقل حدة في أحيان كثيرة، بين مسلمي الإيغور والشرطة؛ احتجاجاً على ممارسات يصفونها بالتمييز العنصري ضدهم.

وظلت العمليات التي تقوم بها الحكومة الصينية والمتعلقة بنقل السكان من إثنية الهان إلى مناطق الأقليات تثير شكوكاً بأن هدفها الحقيقي هو في الواقع استيعاب الأقليات تحت هيمنة الهان. وعلى الرغم من ذلك فإن بكين تتبع استراتيجيات تصب في صالح الأقليات، فهي تملك سياسة خاصة للتخطيط الأسري لصالح أقلياتها التي يسمح لها بإنجاب أولاد عدة، حتى بعدد غير محدود، وفقاً للحالات، فيما ليس من حق عدد كبير من الهان سوى إنجاب ولد واحد. كما أن الحكومة تنتهج أيضاً سياسة «التمييز الإيجابي» بالنسبة للمرشحين لفحوصات الدخول إلى الجامعة من الأقليات.

وفي موازاة ذلك استثمرت كثيراً في هذه المناطق في غرب البلاد، حيث ارتفع إجمالي الناتج الداخلي في سينكيانج من 116,86 مليار يوان (12,3 مليار يورو) عام 1999 إلى 352,32 مليار يوان (37 مليار يورو) عام 2007م بحسب الإحصاءات الرسمية.

ووفقاً لما قاله جيانغ ونران أستاذ العلوم السياسية في جامعة ألبرتا بكندا، لوكالة الأنباء الفرنسية، فإن ذلك لم يؤد كما كان متوقعاً إلى رفع مستوى المعيشة لدى السكان المحليين ولا لدى الهان.

 

من يدافع عن مسلمي تركستان الشرقية؟

إن الأدوار التي تلعبها الصين في دعم كثير من القضايا المتعلقة بدول العالم الإسلامي والدول النامية تظل هي واحدة من أهم الأسباب وراء صمت كثير من الدول مما جرى مؤخراً في إقليم سينكيانج، واكتفت منظمة المؤتمر الإسلامي بانتقادها «الاستخدام غير المتكافىء للقوة»، ودعت إلى تحقيق نزيه حول الاضطرابات الدامية التي شهدها الإقليم.

إن أوضاع المسلمين هناك تحتاج إلى وقفة من قبل المسلمين في كافة بقاع الأرض، لكن فيما يبدو فإن الأمر سيكون مشابهاً للمواقف العربية والإسلامية من القضية الفلسطينية التي أصبحت ورقة من أوراق المساومات وتحقيق المصالح لا أكثر.

 

 

 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb