العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

الممارسات الصهيونية فـي الأراضي المحتلة.. أســـاس أزمــة الثقة بين المسلمين والغرب

المشاركون في الملتقى العالمي الرابع لخريجي الأزهر الشريف:
58-17.jpg

 

أكد العلماء المشاركون في الملتقى العالمي الرابع لخريجي الأزهر الشريف أن ممارسات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية تمثل عقبة رئيسية أمام نجاح الحوار بين الإسلام والغرب, وقالوا خلال فاعليات الملتقى الذي عقدته الرابطة العالمية لخريجي الأزهر تحت عنوان «الأزهر والغرب.. ضوابط الحوار وحدوده» بالقاهرة  في الأسبوع الماضي: إن أزمة ثقة عميقة تلوح في الأفق بين الإسلام والغرب, قد تنذر بالعواقب الوخيمة إنْ لم يجتهد العقلاء والمهتمون بالحوار على حلها واستعادتها أولاً وقبل أي شيء, وأكدوا أن العالم الإسلامي لايحمل في نفسه أية كراهية للشعوب الغربية ولكنه يكره وبحق السياسة الغربية تجاه عالم الإسلام وقضايا الأمة الإسلامية وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني, الذي يعاني من احتلال عنصري استيطاني منذ أكثر من ستين عاماً. 

 

ودعا الشيخ عكرمة سعيد صبري خطيب المسجد الأقصى المبارك ورئيس الهيئة الإسلامية العليا بالقدس إلى إقامة العدل في العالم, والتخلص من التعصب الأعمى الذي أضاع الحقوق وخلق أجواء الصراع بين الأديان والحضارات, فما يحدث الآن في فلسطين وما حدث في البوسنة والهرسك وكوسوفا, وما سبق وحدث في فترة الحروب الصليبية وطرد المسلمين من الأندلس وإقامة محاكم التفتيش الدموية لهم، أكبر دليل على أن افتقاد العدل وإضاعة الحقوق سبب كل الكوارث التي تعيشها الإنسانية عبر كل العصور, حتى وصل الأمر إلى طرد الفلسطينيين من أرضهم ومنعهم من العودة إليها وتهويد مقدساتهم ومدنهم. 

وقال خطيب المسجد الأقصى المبارك إن القرآن الكريم وضع المبدأ العام لتعامل المسلمين مع غيرهم، وذلك من خلال قوله عز وجل «لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبَـرُّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن توَلُّـوهم ومن يتولَّـهم فأولئك هم الظالمون» الممتحنة:8-9.

وأكد الشيخ تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين أن العرب لايعادون الدين اليهودي الذي بشَّـر به موسى عليه السلام, ولكنهم يعادون الصهيونية والأطماع الاستعمارية التي تحركها، وإذا كان الغرب يسعى جاداً للتواصل مع المسلمين, فعليه أن يواجه وبحسم محاولات الصهاينة لتهويد القدس وجميع المدن الفلسطينية الأخرى. 

وانتقد التميمي الفاتيكان بشدة بسبب تخليه عن دوره الروحي في المناداة بعودة الحقوق لأصحابها, مشيرا إلى أنه حضر خلال وجود البابا في الأراضي الفلسطينية مؤتمراً للحوار بين الديانات السماوية, ثم فوجئ بمنعه من الكلام، وعندما أصر على طلبه سمحوا له شريطة الترحيب بالضيف, ولكنه عمل على تذكير البابا بالحقائق التي لايحب أحد أن يتذكرها, وأبرزها حق عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم التي أُخرِجوا منها ظلماً وعدواناً, وذكَّـر التميمي بابا الفاتيكان بالانتهاكات التي تتعرض لها المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وبيت لحم, وآخرها اقتحام الجنود الإسرائيليين لساحة كنيسة القيامة خلال عيد الفصح الماضي. وأضاف: طالبت الفاتيكان بإصدار بيان لإدانة التوجهات الإسرائيلية حيال المقدسات المسيحية والإسلامية, ولكنني فوجئت بالفاتيكان يصدر بياناً بإدانتي!

دور الأزهر

وحول دور الأزهر الشريف قال الدكتور مأمون عبدالقيوم الرئيس السابق لجمهورية المالديف: إن مما يؤسف له أن هناك من المسلمين من لايفهم التحولات الجذرية التي تحدث في كل ميادين الحياة نتيجة للتقدم التكنولوجي, فيقومون بتشويه صورة الإسلام والمسلمين, وهؤلاء في أمَـسِّ الحاجة لمن يأخذ بأيديهم إلى الطريق القويم, وهذا هو دور الأزهر بما يعني العمل الدءوب لإعادة الجماعات المتطرفة إلى الفكر الإسلامي الصحيح, وبما يعني إعادة تشكيل هذه الأمة لتقدم رسالتها إلى العالم كما أراد الله لها. 

وقال الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر إن البداية الصحيحة للحوار مع الغرب تبدأ من تغيير المفاهيم الخاطئة في المناهج الدراسية ووسائل الإعلام الغربية؛ تلك المفاهيم الاستعلائية التي تدرس في المدارس والتي تصف الرسول صلى الله عليه وسلم وديانته بأقبح الصفات, في حين حافظ المسلمون رغم ما يتعرضون له، على احترامهم للمسيحية واليهودية, لأن الإيمان بذلك جزء لايتجزأ من عقيدة المسلم الذي عليه أن يؤمن بكل الأنبياء والرسل. وأوضح شيخ الأزهر أن التصادم أو الصراع يرفضه الإسلام, فمع اعتراف الإسلام بالخلاف بين الحضارات إلا أنه لايمنع من التعاون بين أبناء تلك الحضارات لمصلحة وخير البشرية, بعيداً عن الحروب وانتهاك حقوق الإنسان.

لا نكره الغرب .. ولكن!

وقال الدكتور أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر إن الإسلام يستبعد كلياً فلسفة الصراع في علاقات الأمم والشعوب, وما يتبع هذه الفلسفة من سياسات الغلبة والتسلط والاستقواء على الضعفاء, بل ينكر أشد الإنكار ما تجنح إليه بعض الحضارات قديماً أو حديثاً من محاولات صب الناس في حضارة واحدة أو ثقافة بعينها, أو حملهم على اعتناق دين معين, مثل هذه المحاولات ليست في منظور الإسلام إلا ضرباً من العبث والوهم, وإهدار الوقت والطاقة والمال بحثاً عن سراب خادع, ومن هنا فإن الأزهر ينفر أشد النفور من كل النظريات التسلطية ومن كل ما يخدم هذه النظريات, من مراكز القوة وبنوك الأموال ومصانع السلاح ومؤسسات الأفكار والمعلومات, وفي المقابل ينحاز بقوة إلى كل فلسفة تؤمن بالحوار. 

اتهامات قديمة بالية

وأضاف رئيس جامعة الأزهر: لقد كُـتِـب علينا نحن المسلمين في الآونة الأخيرة أن نوضع جميعا في قفص الاتهام بإسلامنا ونبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام, من قبل مؤسسات غربية دينية ومدنية، واتهام الإسلام زوراً وبهتاناً أو جهلاً بأنه دين العنف والتطرف والسيف والحرب, وهي تهم قديمة بالية كنا نظن أن العقل الغربي المعاصر قد تخطاها وضرب عنها صفحاً, بعد ما توفرت لديه الحقائق والثوابت على زيف هذه الادعاءات.

ازدواجية المعايير

وتحدثت المفكرة البريطانية والراهبة السابقة كارين أرمسترونج فقالت: لقد أدت بنا ازدواجية المعايير الغربية حيال المشكلات الشرق أوسطية إلى أن نحيا في عالم يتسم بعدم التوازن, وأنتجت فصلاً فيما بين الشرق والغرب, وللأسف الشديد فإن العالم الغربي ظل لقرون طويلة لايهتم بفهم الإسلام, وحين بدأ الغرب يعد نفسه لفهم الإسلام, فوجىء بمن يقدم له الإسلام والمسلمين بصورة مشوهة. 

وانتقدت أرمسترونج الصمت الغربي حيال ما يتعرض له الشعب الفلسطيني, وإصرار الغرب على التعامل بازدواجية حيال إسرائيل والفلسطينيين, فالفلسطيني إرهابي حتى لو كان يدافع عن حقه, والإسرائيلي على حق حتى لو كان يغتصب حقوق الآخرين. إنني أشعر بالعار لأن دولنا التي نحيا فيها في الغرب تتصرف بهذه التصرفات غير الأخلاقية، ولهذا فإنني أحذر من نتائج عدم سعي الغرب لحل القضية الفلسطينية. 

واعترف المفكر الأمريكي وليم ساكس الأستاذ بجامعة جورج تاون بأن وسائل الإعلام في الغرب لاتراعي الضمير المهني عند الحديث عن الإسلام, وأنها ماتزال تركز على أن الإسلام دين العنف رغم أن هذا غير حقيقي على الإطلاق, وأن العنف موجود بين أتباع اليهودية وأتباع المسيحية كما هو موجود بين أتباع الإسلام.

وأضاف: أذكر أنني سألت ذات مرة أحد الإعلاميين الأمريكيين عن سبب إصرار الإعلام الأمريكي على رصد أحداث العنف التي يتورط فيها المسلمون, ففوجئت به يقول إن أحداث العنف عندما ترتبط من قريب أو من بعيد بالإسلام والمسلمين, حتى لو لم يكن لها علاقة بخلفيات دينية أو سياسية تجد صدى واسعاً, وتتلهف عليها وسائل الإعلام الغربية! 

وفي كلمته أشاد المخرج اليهودي الأمريكي جاكوب بندر بدور الحضارة الإسلامية في النهضة الأوروبية المعاصرة.

ولم ينس» بندر أن يندد في كلمته التي ألقاها أمام المؤتمر, بالمجازر الإسرائيلية في غزة قائلا: «إن ما ارتكبته وترتكبه إسرائيل في غزة جريمة ضد الإنسانية، وإن تجويع الشعب الفلسطيني وحصاره يعد انتهاكاً للقانون الدولي, ولابد أن يدرك اليهود والمسيحيون في العالم أن تقدم الغرب قام على أكتاف الحضارة الإسلامية». 

فتش عن الصهيونية

وامتدح جون اسبيزيتو الأستاذ بجامعة جورج تاون الأمريكية الأزهر قائلا: «إن الأزهر هو قلب الحضارة الإسلامية, وهو يلعب دوراً كبيراً في مجال نشر الإسلام, وفي الأربعين عاماً الأخيرة لعب دوراً في تحفيز مسيرة الحوار مع الغرب بصورة إيجابية, ونبه إلى أن هناك جهات صهيونية معروفة ساهمت في تعميق شعور الغرب بالإسلامفوبيا, متهماً إياها بالتسبب في توتر العلاقة بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي».

وأضاف: «إذا كنا نسعى لكسب ثقة المسلمين فعلينا أن نتخذ إجراءات فاعلة لدحر القوى الصهيونية واللوبي اليهودي, الذي يؤثر على صانع القرار في الغرب، كذلك على الغرب أن يعترف بحقوق المسلمين». 

وأشارت الباحثة الإندونيسية فايزة علي شبراملسي في بحثها الذي قدمته عن «دور الأزهر في تحقيق التواصل مع الغرب» إلى الدور العالمي الذي قام به الأزهر طوال ألف عام, حيث نشر نور العلم والحوار الهادف والبناء ليس بين أبناء الإسلام فقط بل بين غير المسلمين, وانطلق في ذلك من تعاليم الإسلام التي تأمر بالتعايش السلمي مع البشر جميعاً, باعتبار أصلهم الواحد وأنهم أخوة لأب وأم منذ بدء الخليقة. وقالت: لقد درس كثير من أعلام الأزهر في الغرب ووصل بعضهم إلى قيادة المؤسسة الأزهرية, مثل الدكتور عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق والرئيس الحالي لجامعة الأزهر الدكتور أحمد الطيب والدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف وغيرهم الكثير, ممن كانوا رواداً في التواصل بين الأزهر والغرب. 

سماحة الإسلام

وأكد الدكتور محمد الهواري أستاذ الدراسات العبرية بجامعة عين شمس أن اعتقاد اليهود أنهم شعب الله المختار, ونظرة استعلائهم واحتقارهم البشر من حولهم وحقهم في إراقة دماء غير اليهود, كل ذلك يؤكد أن السلام مع اليهود الصهاينة في إسرائيل مستحيل, مهما وقعوا من معاهدات مع العرب, حتى ينبذوا هذه الاعتقادات ويقدموا الاعتذارات لأمة العرب.

وتحدث المهندس محمد يوسف هاجر من الأرجنتين عن أهمية استمرار الحوار بين الأديان، مشيراً إلى الأسس التي يقوم عليها الحوار كما جاءت بالشريعة الإسلامية, وقال إن الحوار بالنسبة للمسلمين ليس خياراً ولكنه واجب، وهو نداء يناجي ضمير الفرد ووجدانه, ليصل إلى درجة من التفاهم وإشاعة أجواء السلم الدائم, واعترف بأن حوار الثقافات بمستوياته الثلاثة (حوار الأديان، حوار التجمعات، حوار المؤسسات) الدائر طيلة خمسين عاماً مضت لم يكن مشجعاً, وأرجع ذلك إلى ما أطلق عليها (المدرسة الشيطانية) التي مثلها صموئيل هنتنجتون.      

 

 

 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb