نحن ورمضان
أنا وأنت وهو وهي مشغولون فى رمضان بسباق الطاعات، لكن أينا سيتغير سلوكه إلى الأفضل فيما بعد رمضان؟ هذا هو السؤال، لأن كثيرا ممن يتبارون فى الطاعة لاتسمو أرواحهم ولا تتهذب جوارحهم ، فهم يتعاملون مع رمضان بمنطق الكم لا الكيف!
تسمع من يسألك: كم مرة ختمت القرآن؟ فى أي مسجد تصلى التراويح؟ وهل هذا المسجد مما تصلى فيه التراويح بجزء أم بنصف جزء أم بأقل من ذلك؟ وهي أسئلة لطيفة ومشروعة، لكنها تعكس فى ظاهرها أزمة فهم للمقاصد الرمضانية، هل هي فقط مجرد «حيازة» كم هائل من الطاعات أم هي نتاج هذا الكم ممثلا فى حسن الخلق ونقاء السريرة وتطهير القلب من آفاته الضارة مثل الحقد والحسد، واستقامة السلوك والبعد عن آفات اللسان من اللغو والغيبة والنميمة، والتحلى بقيم إيجابية مثل الصدق والأمانة والوفاء بالوعد ورقي الذوق وإتقان العمل والتلطف مع الناس وإنجاز مصالحهم؟
جميل أن يختط الناس لأنفسهم برامج رمضانية حاسمة قبل حلول الشهر الكريم، واضعين فى اعتبارهم كل الأعمال التعبدية، ولكن الأجمل منه أن ينظر الإنسان إلى نفسه فيشخص داءها وينوى بصدق أن يصوب خطأها وأن يقوم اعوجاجها ويضعها على الطريق السليم، ومن هنا فإن البعض يلجأ إلى أسلوب»التخلية قبل التحلية» فيرصد عورات نفسه ويهيئ فى خطته الرمضانية ما يعينه على سترها، ولك أن تتخيل أفرادا وقد تبدل حالهم من حسن إلى أحسن فى رمضان لاتباعهم هذا الأسلوب، كما أن أسرا بكاملها تتحول فى رمضان إلى خلية نشاط تعبدية، فتقطع علائقها بكل ما يشغلها عن الطاعة وتستلهم فى طاعتها أفكارا سلوكية تغير من واقعها فعلا وقولا.
متى يشعر كل منا فى قرارة نفسه بأن «إنجازاته» الرمضانية قد أثرت فيه وأحدثت انقلابا فى مكوناته المزاجية والروحية والنفسية والعقلية؟
هذا لن يتأتى إلا من خلال إخلاص العبادة وإتقانها وترجمة مقاصدها إلى سلوكيات وأعمال نافعة لنا وللغير، لا أن يبقى كل همنا هو: كم فعلنا، وليس ماذا نفعل؟


