العدد 302 - 2014-04-23 - 23-06-1435

الإشكالية في تعزيز مفهوم المواطنة

 

تعتبر الإشكالية حول الوطنية في الفكر الإسلامي المعاصر واحدة من أبرز القضايا التي يُعتاد على إعادة إنتاجها وتسويقها بين حين وآخر بذات المواصفات والشروط التي أنتجت في إطارها منذ ما يقارب القرنين، وعادة بصنعة أقل جودة.

إن الوطنية إذا كانت بمعنى الانتماء لوطن معين والذود عنه لاتتناقض مع (الإسلامية) إذا ما بنيت على أساس عقائدي صحيح يأخذ من الانتماء إلى الإسلام بناءه الكلي ودائرته الأشمل، والتي تجيز – بل وتفرض في أغلب الأحيان – الانتماء إلى الوطن (بمعنى الأرض) أو إلى القومية.

إن ذلك كما يراه رفعت سيد أحمد يجوز بل ويرقى إلى مستوى الفرض في الإسلام إذا ما بني على أساس عقائدي ورسالي صحيح، وليس علمانياً كما كان ومايزال في بعض المشروعات الوطنية والقومية على المستوى العربي، والتي سمحت لنفسها بتفريغ الذات من مضامينها وأبعادها الإسلامية فوقع التناقض ونشأ الصدام.

ويعبر الواقع المعاش بتعدد الدول الإسلامية واختلاف مسمياتها حسب ما يتناولـه جمال الدين الأفغاني من خلال استقراء الواقع بأنه عبارة عن مشروع للامركزية، وأن الدولة الإسلامية تشبه اتحاد الكومنولث، وليست رابطة مركزية تقهر ما في إطارها من تمايزات، وهو ما يعني في تقدير محمد عمارة لرؤية الأفغاني بأنه عبارة عن استقلالية في دوائر الانتماء ودوائر الوطنية، وهي استقلالية إيجابية وتكاملية. إن هذه الرؤية تركِّز على علاقات التفاعل دون تجاهل لدوائر الصدام الطبيعي أو المصطنع منذ بداية القرن التاسع عشر.

أما محمد عبده فإنه يوافق على إدراج هذا المفهوم وتعزيزه ضمن الانتماء الإسلامي الأشمل، والذي يستوعب بمساحته مختلف الجماعات التي تنتمي إلى الإسلام. إنه يرفض مفهوم الوطنية الذي يقوم في بعض مكوناته على أساس مدني.

أما حسن البنا فإن للوطنية عنده توظيفاً إيجابياً، فمن ناحية الاستخدام السياسي للمفهوم تتمثل في إطار الحركة الوطنية ضد الاستعمار وتحقيق الاستقلال، ولاشك أن هذا الاستخدام يجسد الجانب الإيجابي لمفهوم الوطنية، والتي يؤمن بها البنا ويجعلها تسمو إلى أن تصبح فرضاً من الله، وجزءا من تعاليم الإسلام.

أما المضمون العلماني للمفهوم فهو يقوم على أساس الانتماء لرقعة من الأرض تكوِّن إقليم الدولة، ولا اعتبار للعقيدة كأساس لهذا الولاء بحجة الحفاظ على الوحدة الوطنية بين المسلمين وغيرهم، وهو ما يرفضه البنا، وتزداد القضية وضوحاً في فكر البنا ويرفع شأنها أي تناقض بين الدوائر الانتمائية إذا ما كان الإسلام هو إطارها الصحيح.   

أما سيد قطب فهو يرفض الوطنية كمعيار للانتماء عند المسلمين شكلاً وموضوعاً، فالأمة عنده تجمُّع بشري حول مرتكز عقدي لا حول راية وطنية أو قومية، وهي عقيدة كما يراها قطب تعلو فوق المقومات التاريخية لبناء الأمة، من هوية وتشارك قانوني وتجانس ثقافي. وهذا يعني أنه تعامل مع هذا المفهوم بصيغة أقرب إلى الأيديولوجية منها إلى التحليل العلمي، وهو يتبنى بذلك تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب. إن الموقف الذي اتخذه سيد قطب تجاه مفهوم تعزيز الوطنية يقوم على أنها فلسفة ومؤسسات، وبذلك يجعل توجهه واجتهاده ذا مسحة دينية.

وهناك الكثير من المساهمات التي تقرر رفض الانتماء وتعزيز مفهوم الوطنية على أساس علماني، وضرورة أن يقوم ذلك على أساس ديني.

إن الحاجة في ظل غياب تعريف صحيح لمختلف المفاهيم المرتبطة بحياة المسلمين يحتاج إلى العمل على تفعيل أداة التعايش الأساس وهي الحوار، إذ لابد  من الحوار مع جميع القوى والتيارات الفكرية الإسلامية – المحجوبة عن الشريعة تحديداً – في أوطاننا العربية بإجمال تجاه إشكاليات الواقع الإسلامي المعاصر وليس الفكر الإسلامي المعاصر، وأن تتسع فيها دائرة المشاركين بالرأي والحجة.

وما أود أن أضيفه بعد هذا الاستعراض المجمل حول مفهوم الوطنية هو التأكيد على أن القصد من تعزيز هذا المفهوم هو العمل على استثماره في مختلف مصالح الجماعة الإنسانية، إذ الوطنية تعني الإخلاص للأرض التي جمعت مجموعة من الطوائف التي تتقارب في أفكارها ومنهجها على حد ما.

ومن هنا يأتي دور تعزيز الوطنية كسبيل لتحقيق التضحية في سبيل الوطن كما ذكر حسن البنا، وكسبيل للتقريب بين الطوائف والجماعات الإسلامية التي تعيش في هذا الوطن. ولا أعتقد أن استثمار المفهوم على هذا النحو يتعارض مع ما ذكرنا حوله من آراء.

إن تعزيز مفهوم الوطنية بصورته الإيجابية يتمثل في أنه تعبير عن فهم راق لعملية الولاء للأرض، واستجابة رائعة لتعزيز فهم المصالح المشتركة التي تجمع بين الأطياف التي تعيش  على أرض هذا الوطن.

ومن هنا جاء التقرير لتعزيز مفهوم المواطنة كأحد أدوات التعايش الذي يعتبر فريضة حياتية إضافة إلى الوسطية والحوار، وذلك متى تم توظيف تعزيز هذا المفهوم في  قالب المصلحة التي تجمع مختلف أطياف الشعب وفئاته. 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb