العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

الإعلام العربي نتاج للبيئة المجتمعية وسقف الحريات مايزال محدوداً

وزير الإعلام الجزائري عزالدين ميهوبي لـ النباء:
حوار: إسلام الزيني
-٧٧.jpg

-٧٧.jpg

 

على هامش ملتقى قادة الإعلام العربي الذي عقد بقاعة المؤتمرات بفندق الخليج يومي 2 و3 ديسمبر الجاري، التقت النبأ بشكل حصري بوزير الإعلام الجزائري السيد عزالدين ميهوبي الذي قتح قلبه لنا وتحدث بصراحة عن واقع الإعلام العربي ومستقبله والنهضة الإعلامية الكبيرة التي تشهدها مملكة البحرين حالياً، كما تطرق للأزمة الأخيرة التي نشبت بين مصر والجزائر على خلفية مباراة كرة القدم التي جمعتهما في تصفيات كأس العالم 2010، وبين وجهة نظر بلاده من هذه الأزمة.  وهذا الحوار هو أول ظهور إعلامي لمسؤول جزائري رسمي بعد تلك المباراة، وأول تصريح رسمي يتعلق بالأحداث الأخيرة. وخص الوزير الجزائري   بالعديد من الإنفرادات في هذا الحوار المتشعب، فإلى ما دار فيه:

 

 

>> ما تقييمك لواقع الإعلام العربي حالياً؟

- الإعلام العربي نتاج للبيئة المجتمعية، ولايمكن تصوره خارج هذا الإطار، وهو محكوم بمنظومة قيم لايستطيع الخروج منها، ولايمكنه أيضاً أن يتطرق لبحث كل القضايا في المجتمع، لأن المجتمع غير مهيأ للتعاطي معها، فعندما نتحدث عن واقع الإعلام العربي لابد أن نتطرق لهامش الحرية فهي التي تحدد معايير المهنية والحرية، والإعلام العربي يعمل على مستويين، داخلي ومحلي  يكون مرتبطاً دائماً بخطايا السلطة، مع هامش من النقد المطلوب لتصويب بعض الاختلافات. كما أن مناقشة القيم محدودة بمستوى معين، بمعنى أن هناك  طرقاً للارتقاء بالمجتمع في بعض الممارسات السائدة وهناك الاحتكاك بين الإعلام وحالة المجتمع في رغبة التطور والتفاعل مع التحولات، فالواقع ليس كله سوداوياً، وثمة مؤشرات لتحسين أداء الإعلام العربي باختلاف التجارب، أما من حيث التطور فأعتقد أن الإعلام العربي قد حقق تطوراً تقنياً وفنياً كبيرين لكن مايزال ينقصه الكثير.

>> ما نوعية الإعلام التي تحتاجها الشعوب العربية الآن؟

- إعلامنا العربي موزع حالياً بين أستثماري واستهلاكي، وبينهما تثور الأسئلة المتصلة بحاجتنا إلى إعلام يمتلك القدرة على التأثير الإيجابي في المجتمع، وما يمكن تسجيل هو حالة الدهشة الكبيرة مما يستجلب اهتمام المواطن العربي خارج حدوده من إعلام تفاعلي وهادف، بينما يرى أنه مستخدَم كمادة إعلامية في إعلام محلي لايتناول القضايا التي تشغله وتثير اهتمامه، فيكون عادة إعلاماً عمودياً وليس أفقياً. 

>> ما رأيك في ولوج الإعلام الخاص للمنظومة الإعلامية العربية؟ وهل يمكن أن يضيف لها شيئاً؟

- أعتقد أن هذا مرتبط بمناخ كل دولة وبالمناخ الاقتصادي فيها وبمدى تماسك الإعلام العمومي الذي يتكفل بالخدمة العمومية، لأن الإعلام الخاص مهما كانت مسوغات وجوده فهو يبحث في النهاية على تحقيق الأرباح، وولوجه للمنظومة الإعلامية العربية قد لايضيف إليها الكثير في الوقت الراهن، وعليه أن يبحث عن الموضوعية والبعد عن الإثارة التي تجعل شركات الدعاية تلهث وراءها، ولابد أيضا أن يلتزم بشرف المهنة واحترام الحرية التي قدمت له، وبهذه العوامل يستطيع أن يقدم للمنظومة الإعلامية العربية شيئاً جديداً ومفيداً. 

>> هل تعتقد أن وسائل الإتصال الأخرى الأحدث قد أثرت بصورة ما على أهمية الإعلام في عالمنا العربي؟

- نعم أثرت، والعالم اليوم يتحدث عن وسائل الاتصال الجديدة والمتطورة فيما مانزال نحن نتحدث عن الإعلام المتجاوَز زمنياً، فالأمور قد تغيرت وتطورت، فالوسائط الجديدة والمفاهيم التي دخلت على الاتصال أنتجت ما هو أكبر من الإعلام وأوصلت إلى (التفاعلية)، فأصبح لشبكة الإنترنت - وبالأخص الفيس بوك - قوة مؤثرة في عقول عموم الناس وغدت وسيلة سهلة للتواصل بين الفرد والعالم، لكن الإعلام ستظل له قيمته الخاصة التي اكتسبها من جودة المهنية والمصداقية.

>> وهل ارتفع سقف الحرية في الإعلام العربي أم ظل على ما هو عليه؟

- من وجهة نظري أن سقف الحرية هو المهنية، وأعتقد أن المهنية هي التي تحدد بصورة كبيرة  كيفية التعاطي مع أية قضية، وربما تكون القضية مؤلمة وحساسة، وبالتالي تحتاج إلى أن تتسم بالمهنية بشكل أكبر، كما أنني أحسب ان بعض الدول العربية بدأت في الآونة الأخيرة بالسماح بحريات أكبر في إعلامها المرئي والمسموع ومنها مملكة البحرين مثلا، وسقف الحريات قد ارتفع - بالطبع - في بعض الدول لكن الإعلاميين في هذه الدول لم يستطيعوا استغلال تلك الحرية وحادوا عن الطريق الصحيح، وهذا قد أثر بالطبع بصورة بالغة على رغبة باقي الدول في رفع سقف حرياتها تحاشياً لعدم تكرار ما حدث مع بعض الدول المجاورة لها.

>> كيف تتعاملون مع الأزمة التي نشبت مؤخرا بين الجزائر ومصر على خليفة مباراة منتخبيهما مؤخراً، منذ وقوعها وحتى الآن؟

- نتعامل مع الأزمة عبر القنوات الرسمية ممثلة في وزارة الخارجية وبالتالي فإن ذلك يبقى ملزما لنا باعتبارنا نعمل ضمن دولة مؤسسات، ومن جهتنا لايوجد جديد في الامر ويبقى الحال على ما هو عليه!

>> ما رأيك إذاً في أحداث السودان والتي قال المصريون إنهم تعرضوا خلالها لعدوان وحشي من قبل الجماهير الجزائرية؟

- هذا كلام عار عن الصحة تماماً، فالجماهير الجزائرية لم تعتدِ بأي شكل من الأشكال على الجماهير المصرية، وأحيلكم في هذا إلى تقارير السلطات السودانية باعتبارها طرفاً حيادياً بيننا، والواقع نحن من أعتُدِيَ علينا في مصر وتحت أنظار الشرطة، وقد قدمنا على الفور أدلتنا للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) مصحوبة بالصور التي تفيد بإصابة 3 لاعبين من المنتخب الجزائري وعدد من أفراد الجمهور الجزائري وتفيد أيضا بالتحطيم الشامل الذي أصاب الحافلة التي كانت تقلنا من المطار للفندق بعد وصولنا. وإذا كان الإخوة المصريون يحوزون أدلة على قيام الجمهور الجزائري بالاعتداء على جماهيرهم فليقدموها للفيفا فوراً، وأنا أجزم أنهم لايمتلكون أي دليل إدانة بحقنا في هذا الأمر بالذات لأن جماهيرنا واعية ولاتقحم نفسها في مثل  هذه الأمور!

>> حمَّل إعلاميون مصريون الصحافة الجزائرية المسؤولية عن الأحداث الأخيرة بين مصر والجزائر واعتبروها السبب الأول في إيقاد نار الفتنة بين الطرفين، فما تعليقك على ذلك ؟ وما تقييمك للصحافة الجزائرية خلال الفترة الماضية؟

- هذا الاتهام مرفوض قطعاً لأن الصحافة الجزائرية صحافة محلية ومحدودة ليس بإمكانها مجاراة الكم الهائل من القنوات التلفزيونية والصحافة المصرية ذات الصوت المسموع في العالم العربي، فيما لم تقم صحافتنا - حقيقة - إلا بردة فعل على ما قيل في حقها وفي حق الشعب الجزائري. وبخصوص تقييم صحافتنا أجد نفسي منتشياً بالطفرة الواسعة التي حققتها خلال الفترة الماضية ، فقد بلغقت مستوى رفيعاً من المهنية وحسن التعاطي مع منطق الحرية، وأعتقد أنها تحبذ تسليط الضوء على الوضع المحلي أكثر من الخارجي الإقليمي أو الدولي.

>> ألمحَت القيادة السياسية في مصر إلى وجوب إعتذار جزائري رسمي عن الأحداث الاخيرة في السودان كشرط لعودة علاقات البلدين إلى سابق عهدها، فهل تنوي قيادتكم السياسية التقدم باعتذار رسمي للجانب المصري؟

- ليس ثمة أية نية أو تفكير لدى القيادة السياسية في الجزائر للتقدم بأي إعتذار للجانب المصري، لأننا لم نرتكب جرماً حتى نعتذر، بل إن القيادة المصرية هي من يتوجب عليه أن يعتذر عن الأحداث التي تعرضت لها البعثة الجزائرية في مصر من انتهاكات وإصابات بالغة للاعبينا ومشجعينا، ولابد أن يعي  الجانب المصري جيداً  المطالب التي يطلبها حتى لايظن الجميع أنه يطلب أموراً لن تحدث مطلقاً من جانبنا لأننا في هذه القضية على حق ولأننا أيضا من تعرضنا للإهانة والتجريح من قبل وسائل الإعلام المصرية. 

>> هل يمكن أن تحدد لنا نوعية الإهانة التي تعرض لها الشعب الجزائري على حد قولك، وهل صدرت تلك الإهانات من قبل الإعلام المصري فقط أم من القيادة السياسية أيضا؟

- نعم تعرضنا للعديد من الإهانات من الإعلام المصري الذي قال كلاماً عن الجزائر يخرج عن إطار الأدب والأخلاق لايمكن تقَبُّله أو السكوت عنه، فماذا يعني أن يسِم أحد الإعلاميين المصريين الجزائر بأنها بلد المليون ونصف المليون إرهابي، كما يقول آخر الجزائر بلد المجرمين والشعب الجزائري شعب مرتزقة فهذا كلام لايمكن أن يصدر أبداً من مواطن عربي في حق مواطن عربي آخر، لكن لأن المصريين لم يتقبلوا الهزيمة من الجزائر شرع بعض الإعلاميين الذين يفتقدون أبسط قواعد الشرف الإعلامي في هجوم حاد على الجزائر شعبا حكومة. وردا على السئوال الثاني بخصوص القيادة السياسية المصرية، أقول: نعم القيادة المصرية شاركت في هذه الحملة ولكن بصورة غير رسمية عن طريق نجل الرئيس المصري علاء مبارك الذي تلفظ بعبارات أساءت للشعب الجزائري. وكوني وزيراً للإعلام الجزائري أود أن أقول لعلاء: أن الكلام الذي قلته لايمكن ان نتقبله لكننا لن نرد عليه لأن الشعب الجزائري أكبر من ذلك بكثير.

>> ما رأيك في قيام بعض الإعلاميين المصريين بحملات للتهدئة بين مصر والجزائر وتعرضهم لنقد لاذع من قبل الشارع المصري؟

- سبق لي الإشارة إلى أن من أخطأ في حقنا هم فريق من الإعلاميين المصريين وليس الإعلام المصري ككل، فهناك العديد من الشخصيات المحترمة في الإعلام المصري كأحمد شوبير الذي سافر للجزائر من أجل مباشرة حملة للتهدئة بين الشعبين رغم  الحملة الإعلامية والضجة الشرسة التي تعرض لها خلال زيارته، لكن ذلك لم  يؤثر عليه بصورة كبيرة لأنه أكمل زيارته للجزائر وقد استقبلناه بحفاوة بالغة. ولا استطيع أيضا أن أنسى الإعلامي مجدي الجلاد رئيس تحرير جريدة (المصري اليوم) الذي دعا إلى مبادرة (ورْدة لكل جزائري) لكنه لم يلق ترحيباً في ذلك، ومازلت أؤكد ان ما تعرضنا إليه من إهانات وتجريح هو من شرذمة من الإعلاميين المصريبن وليسوا كلهم. 

>> كيف ترى مستقبل الإعلام العربي خلال الفترة القادمة، وهل هو قادر على الريادة في  منطقة الشرق الأوسط؟

- الإعلام العربي اليوم تحول إلى مهنة من لا مهنة له، وهذا ما يبرر السقوط الكبير الذي بلغته وسائل الإعلام العربية، ورغم هذا يمكن القول إن التطور الذي يشهده على الصعيد التقني والفني من شأنه أن يعزز أكثر مسألة الاهتمام بالمضمون وضرورة التخلص من الإعلام الطفيلي الابتزازي والانتهازي والذي بات يسيطر على أغلب مؤسساتنا الإعلامية، أما بخصوص الريادة في الشرق الأوسط، فأعتقد أن إعلامنا العربي حقق خلال الفترة الماضية طفرة كبيرة في مضمونه ونشاطاته أدت إلى ريادة واسعة في المنطقة، وأحسب أنه مسيطر على المنطقة الشرق أوسطية بصورة جلية.

>> هل ترى أن عقد مؤتمر قادة الإعلام العربي في البحرين يعكس التطور الملحوظ الذي تشهده البحرين إعلاميا؟ وما تقييمك للإعلام البحريني؟

- إنه يعكس تطوراً بالفعل، ويؤكد حرص مملكة البحرين على إنماء ثقافة حرية الصحافة والاهتمام بهذا الجانب الحيوي الذي يدخل ضمن مراحل تطور أية دولة، وأعتقد أن الحضور الكبير من كبار رجال البحرين للمؤتمر يعكس مدى الاهتمام بالإعلام بصورة عامة وبحرية الإعلام بصورة خاصة، كما يؤكد على أن البحرين مقبلة وبصورة كبيرة على مستقبل إعلامي مشرق وواع. أم عن تقييمي للإعلام البحريني فإنه من خلال متابعتي البسيطة أرى أنه بات يمتلك سقفاً عالياً من الحريات والجودة العالية التي تأهله لتبوؤ مكانة عالية بين باقي دول الخليج والعرب إعلامياً.

>> ما تعليقك على تسرب بعض دخلاء الإعلام للساحة الإعلامية العربية والعبث بها؟

- لست أبداً ضد أن يمارس دخلاء الإعلام عملهم الإعلامي لأن ذلك من شأن من قاموا بتوظيفهم في هذا المجال، لكن أنصحهم بأن ينتظموا في دورات تدريبية من أجل تطوير ادواتهم وألا يتعاملوا مع المشاهد وكأنهم في ملعب كرة قدم أو من أي جهة قدموا إليها للإعلام وأن يفهموا أن عملهم في الفضائيات يختلف عما كانوا يقومون به.

>> ماذا تقول للشعوب العربية قبل مشاركة الجزائر في بطولة كأس العالم 2010؟

- أقول لهم: إن المنتخب الجزائري سيسعى بكل قوة لتشريف العرب والأفارقة بمثل ما حققه في فترة التأهيلات، ونحن نمتلك قدرة على إعادة صناعة البهجة العربية من جديد، كما أدعو الجماهير العربية للوقوف معنا خلال المرحلة القادمة حتى نستطيع تحقيق شيء للعرب في هذا المونديال العالمي.

>> هل من كلمة أخيرة في تود الإفضاء بها في خاتمة الحوار؟

- أقول: شكراً جزيلاً شعب البحرين على الضيافة الرائعة والوفادة الكريمة، كما أشكر جريدتكم على تمكيني من توضيح الصورة لمختلف الشعوب العربية بشأن ما شاب علاقاتنا مع الشقيقة مصر بسبب الأحداث المؤسفة التي أشعلت فتيلها (مباراة)، وإجلاء الصورة عن المنعطف الهام الذي يمر به الإعلام العربي ومستقبله القادم، وأتمنى أن تواصلوا العمل الإعلامي بمهنية عالية وتفوق مستمر، وهذا مادعاني كي اختصكم بهذا الحوار، حيث أنني لم أتحدث لأية صحيفة عربية منذ نهاية لقاء مصر والجزائر إلا معكم.

 

 

من هو عز الدين ميهوبي :

 

ولد عام 1959 بعين الخضرة في ولاية المسيلة بالجزائر وهو شاعر ورائي وإعلامي. درس الإعدادية عام 1975 بعد إنهائه دراسته في الكتاب، وحصل على البكالوريوس في الإعلام عام 1979, بعدها درس الفنون الجميلة, والآداب، وتخرج في المدرسة الوطنية للإدارة عام 1984. عمل بالصحافة منذ عام 1986, ورأس تحرير جريدة الشعب حتى عام 1992, بعدها أنشأ مؤسسة إعلامية, وأدار الإعلام والبرامج المتخصصة في التلفزيون الجزائري.

وهو عضو منتخَب في البرلمان الجزائري 1997 ممثلاً لحزب التجمع الوطني الديمقراطي, وانتخب رئيساً لاتحاد الكتاب الجزائريين سند 1999، ويشغل حاليا منصب وزير الإعلام في  الحكمومة الجزائرية كما شارك في عدد من الملتقيات والندوات الأدبية في عدة عواصم منها الرياض والقاهرة وطرابلس وبغداد وطهران والكويت وبيروت ودمشق وروما.

حصل على الجائزة الوطنية للشعر عام 1982, والجائزة الأولى للأوبريت عام 1987, والجائزة الأولى لأفضل نص مسرحي محترف عام 1998.

 

 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb