محمد فريد عبدالخالق: الحسبة نظام إسلامي فذ ومتطور يحقق الرقابة الشعبية على الأنظمة السياسية والحكام
|
أكبر باحث سناً في العالم.. يحصل على الدكتوراه في الشريعة الإسلامية وهو في الرابعة والتسعين من العمر!
القاهرة: بدر محمد بدر
|
![]() شهد قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة يوم الثلاثاء 17 نوفمبر الماضي واحدة من اللحظات التاريخية النادرة, أثناء مناقشة رسالة الدكتوراه المقدمة من القيادي الإخواني محمد فريد عبد الخالق الذي يبلغ الرابعة والتسعين من العمر, ليصبح بذلك أكبر باحث للدكتوراه سناً في العالم, حسب شهادة المفكر الإسلامي المعروف الدكتور محمد سليم العوا الذي ناقش الرسالة, بالإضافة إلى كل من الدكتور يوسف قاسم أستاذ ورئيس قسم الشريعة (سابقا) بكلية الحقوق رئيساً ومشرفاً، والدكتور محمد نجيب عوضين أستاذ الشريعة الإسلامية ووكيل كلية الحقوق عضواً.وقد حصل الباحث على درجة الدكتوراه في موضوع (الاحتساب على ذوي الجاه والسلطان) بدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف, وأوصت لجنة المناقشة بطبع الرسالة على نفقة جامعة القاهرة, وتبادلها مع الجامعات الأخرى.وقبيل المناقشة قال الباحث لوسائل الإعلام التي التفت حوله إن الحسبة والشورى هما قوام نهضة الأمة, مطالبا إياها بوجوب الخروج من حالة الخنوع والاستسلام، وضرورة الانفتاح والشورى والتعاون بين أفرادها, وقال إن العالم الآن مضطرب وبلا أخلاق أو قيم, وعلينا نحن أن نستعيدها ثانية، فالأمة الإسلامية أولى بأن تقود العالم للخير بصدق وليس بالكذب والدعاوى والاستعمار والخداع. ونحن كمسلمين نريد الخير للبشرية بدون تفرقة, فالله عز وجل كرَّم بني آدم, وأمتنا أمة واحدة وبالوحدة تسترد وضعها بين الأمم. وقد انعقدت المناقشة بحضور حشد كبير من مفكري وعلماء وصفوة الأمة من قضاة ومحامين وباحثين وإعلاميين وإسلاميين, احتفاءً وتكريماً لهذا الرائد من الرعيل الأول والمؤسس وعضو مكتب الإرشاد الأسبق بجماعة الإخوان المسلمين.واستوقف جميع الحضور في المناقشة يقظة وعي الباحث رغم تقدمه في السن, ودقة ردوده على أسئلة الصحفيين والقنوات الفضائية, الذين احتشدوا لمتابعة الرسالة والباحث الكبير.وتنقسم الدراسة العلمية إلى ثلاثة أبواب، الأول يتناول الاحتساب عموماً ويركز على مفهومه السياسي, ونقض ما تعلق به من مفاهيم شائعة عنه, تحاول إخراجه من الدور السياسي الجوهري الذى يلعبه, وتحويل دوره إلى دور قضائي وبوليسي, ويتناول الثاني الحسبة من حيث علاقتها بالدولة والحكم ويوضح بعض المفاهيم الأساسية، مثل التعريف بالمحتسَب عليهم أو ذوو السلطان والجاه, والمقارنة بين الحسبة فى الإسلام والتشريع الوضعي، ومدى علاقة مبدأ الفصل بين السلطات بالحسبة على ذوي السلطان, أما الباب الثالث فناقش فيه الباحث الأنظمة السياسية المعاصرة، والمقصود الاحتسابي فيها. ثلاثة عقودوقال الباحث إن إعداد الرسالة استغرق نحو ثلاثة عقود، فقد حالت ظروف الاعتقال السياسي والانشغال بالدعوة دون البدء فيها وإكمالها مبكراً, وأشار القيادي الإخواني إلى أن اختياره لموضوع الحسبة جاء بسبب أن نظامها في الإسلام يحقق عاملين أساسيين, يساعدان بقوة في إصلاح الأمة, فضلاً عن تهيئة الشعب للإصلاح، مضيفاً أن كل مواطن يتحول من خلال هذا النظام إلى محتسب، وفقا للحديث النبوي الشريف الذي يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان». وتهدف الدراسة إلى إبراز الدور الرقابي الشعبي على السلطات المتمثل في نظام الحسبة لاسيما السلطة التنفيذية ورئيس الدولة، وتطرح نظاماً احتسابياً جماعياً ومؤسَّسياً لمقاومة جوْر وفساد السلطات التنفيذية ورئاسة الدولة، كما تهدف إلى إلقاء الضوء على الضوابط الشرعية للحسبة في الإسلام، وعلى شروط المحتسب والمحتسَب فيه، وتبرز احترام الإسلام لمبدأ الفصل بين السلطات.ويسعى الباحث خلال الدراسة للوصول إلى تصور صحيح ومقبول لنظام الحسبة في الإسلام في وقتنا الحاضر، يمكن أن يؤدي دوره في الاحتساب على ذوي الجاه والسلطان في ضوء دراسة المبادىء التي قررها الإسلام في المجال الدستوري والسياسي وأصول الفقه الإسلامي، والتي على أساسها يقوم نظام الحسبة، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمقاومة الظلم بجميع صوره من سياسي واجتماعي واقتصادي، وجور الحكام ومحاربة أنواع الفساد التي تقع من ذوى الجاه والشوكة في المجتمع. ويؤكد الباحث أن إدارة الأمة لواجبها في المشاركة في الحكم ومساءلة الحاكم, يولد عندها رأياً عاماً قوياً، وإذا تأصل عند المحكومين هذا الدور توَلَّد عند الحاكم أن للمحكومين رأياً عاماً قوياً ومعارضة قوية, تجعله يعمل لذلك ألف حساب.ويقول الباحث إن نظام الحِسبة في الإسلام هو نظام قانوني فذ قابل للتطور، ويعتمد في أساسه على نصوص من القرآن والسنة للاحتساب على ذوي السلطان, وتغيير المنكرات التي تقع منهم على حقوق الله في مفهوم العصر، كالاعتداء على مبدأ الشورى والحرية والمساواة وكرامة المواطن, وغير ذلك من المنكرات السياسية, التي لم تكن محل الاهتمام الكافي في مباحث العلماء المتقدمين, فيما يسمى بلغة فقهاء العصر وعلوم السياسة الشرعية أو القانون العام. ويحاول الباحث في هذه الدراسة إبراز الدور السياسي الذي يمكن أن تلعبه الحسبة كنظام إسلامي, يحقق رقابة شعبية في تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم, من منظور مقارن بالمؤسسات الدستورية في الأنظمة الديمقراطية النيابية الحديثة والتشريعات الوضعية، في مجال لم يستوفه البحث المعاصر في مجال السياسة الشرعية في الإسلام حقه. ومن أجل تحقيق هذا الهدف فإن الدراسة تعنى بتحقيق عدد من الأهداف الفرعية, التي يمكن ومن خلال تضافرها معاً, أن تسهم في الوصول إلى الأهداف الكبرى التي يطمح إليها الباحث، ومنها: إبراز الدور الرقابي الشعبي على السلطات المتمثل في نظام الحسبة, لاسيما السلطة التنفيذية ورئيس الدولة, وطرح نظام احتسابي جماعي ومؤسسي لمقاومة جور وفساد السلطات التنفيذية ورئاسة الدولة, يجنبنا العنف في ممارسة الحسبة غير المنضبطة في مرتبة تغيير المنكر باليد بشكل عشوائي, وأيضا لقاء الضوء على الضوابط الشرعية للحسبة في الإسلام، وعلى شروط المحتسب والمحتسَب فيه, وإبراز احترام الإسلام لمبدأ الفصل بين السلطات, وعدم التعامل مع الحسبة باعتبارها ولاية بوليسية، وإنما إدخالها في الفقه السياسي الإسلامي, كمبدأ يمارسه المواطنون كفرض كفاية، والمؤسسات الدستورية المعنية كفرض عين، وعلى رأسها المجالس التشريعية البرلمانية والأحزاب السياسية وسائر منظمات حقوق الإنسان والجمعيات الأهلية, المعنية بالحفاظ على حقوق الإنسان الأساسية وحرياته العامة من اتحادات ونقابات. الصفة والمصلحةويشرح الباحث إمكانية رفع دعاوى الحسبة على الحاكم الجائر، وما يقع من الحكومات من بغي أو فساد أو مخالفة للدستور والقانون, دون التزام بشرطي الصفة والمصلحة, الملتزم بها في سائر الدعاوى القضائية، وهو ما ذهب إليه القانونيون تيسيراً لإمكانيتها وتحقيقاً لمقصدها، فشرطا الصفة والمصلحة متحققان في دعوى الحسبة في قوله تعالى: «ولقد كرَّمنا بني آدم» حيث جعل الآدمية هي الصفة وتحقيق كرامة الآدمي هي المصلحة، وكرامة الآدمي هنا مطلقة في عمومها في مختلف مجالات الحياة، سياسية واقتصادية واجتماعية. وأكد الباحث أن المحتسَب عليهم في موضوع البحث هم شريحة محدودة من شرائح المجتمعات، هي الطبقة الحاكمة بنفوذ السلطان أو المؤثرة في مجريات الأمور بنفوذ الجاه أو المال، وهما مناط الصلاح والفساد بالدرجة الأولى في المجتمع, الإصلاح إنْ هم عدلوا وأصلحوا، والإفساد إنْ هم بغَوا وأفسدوا, والأصل فيهم بحكم السلطان والجاه: حمْل الناس على فِعل المعروف وترك المنكر، كجزء من الأمة. وقد انتهت الرسالة إلى النتائج والتوصيات التالية:* إن مقاومة الظلم والاحتساب على الحاكم واجب ديني، ومن أجل ذلك شرع الإسلام مقاومة الظلم، وأوجب على الأمة الإنكار على حكام الجور ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.* إن جوهر الديمقراطية مقبول في الإسلام، مع الإقرار بأن ثمة فوارق, من أهمها أن سلطة الأغلبية التي هي إحدى ركائز نظام الحكم الديمقراطي النيابي ليست مطلقة في الإسلام، وإنما هي محكومة بما قدره الإسلام من مبادىء وأصول, جاءت بها نصوص القرآن والسنة على وجه القطع والإلزام التشريعي. * إن الإسلام لم يفرض نظماً مفصلة تحكم نشاطات الحياة المختلفة, سواء بالنسبة لنظام الحكم على أهميته القصوى أو بالنسبة لغيره من الأنظمة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ونظام الحسبة في الإسلام لم يشذ عن هذه القاعدة، فما هو إلا واحد من هذه الأنظمة التي عُرِف أساسها، وجرت ممارستها منذ العهد النبوي. * إن إعمال الحسبة الرقابية على السلطة الحاكمة ما يقوم به في نظامنا الحاضر جهات متعددة على رأسها المجالس النيابية, وما خوله الدستور لها من حقوق ووسائل لأداء دورها الرقابي، وهو احتسابي، وكذلك المعارضة أحزاباً وصحافة ونقابات وجماعات وغيرها, كما أن للقضاء العادي والإداري دوره في الحسبة، حيث يمكن اعتبار دعاوى الإلغاء أمام المحاكم الجنائية, صوراً لدعاوى الحسبة المعروفة في الفقه الإسلامي. وظيفة سياسية- إنه إلى جانب الوظائف التقليدية للحسبة، فإن لها وظيفة سياسية بالغة الأهمية والحيوية في المجتمع والدولة على السواء، بحيث يمكن أن نعتبرها جزءاً أساسياً من المشروع الحضاري الإسلامي المتكامل, الذي يستهدفه المسلمون عامة، وعلماء الأمة ومفكروها الإسلاميون خاصة، ويجدون في إحياء وظيفة الحسبة عامة، وعلى ذوى الجاه والسلطان خاصة، أداتنا الإسلامية للإصلاح السياسي بل والاقتصادي والاجتماعي كذلك، وهى في الوقت نفسه أداتنا للإصلاح الدستوري من منظور الديمقراطية الحقيقية. - إن الحسبة على ذوى السلطان تشكل كبرى الضمانات الشرعية للحريات العامة والحقوق الأساسية للإنسان، أو المبادىء التي تحمي الأفراد من طغيان الدولة واستبداد الحكام, وهو المطلب العاجل والملح الذي تتطلع إليه الشعوب، لاسيما الواقعة منها في دائرة الدول النامية، ودولنا العربية والإسلامية داخلة فيها. - إن الضرورة تجعل المحظور جائزاً، لذلك فإن حكومة الخلافة التي لاتتوافر فيها جميع الخصائص المميزة للحكومة الصحيحة تصبح رغم ذلك جائزة، أي شرعية ما دامت أنها تمثل أخف الضررين، لأن احتمال قيام نظام مشوب بعيوب الحكومة الناقصة, أقل ضرراً وخطورة من غياب كامل لأي نظام للحكومة الإسلامية. - إن مبدأ الفصل بين السلطات في الإسلام, إضافة إلى مبدأ الشرعية الإسلامية, بمعنى سيادة الشريعة, يكونان أكبر سند شرعي لوظيفة الحسبة على ذوى السلطان، لما يتضمنانه من تقييد السلطة التنفيذية بمهمتها الدستورية, وهي التنفيذ لا التشريع، ومن غلق الباب أمام الحكام دون حق استصدار قوانين ظالمة. - إن المقاصد التي تخدم الأمة العربية والإسلامية من خلال هذا الموضوع, ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكيفية مشاركة الحاكم للمحكوم، وكيفية مشاركة المحكوم للحاكم، مما يجعل المسؤولية تقع على عاتق الاثنين, أما إذا ظلم الحاكم وجحد لقوله تعالى: «كلا إن الإنسان ليطغى* أنْ رآه استغنى» العلق: 6, 7, نجده في هذه الحال مستغنياً عن الشعب، وأن عنده من الأجهزة المعاونة ما تجعله يبطش ويظلم، مما يترتب على ذلك عدم وجود دور ورأي عام قوي للمحكومين.وأثناء المناقشة قال الدكتور محمد سليم العوا إن الباحث محمد فريد عبدالخالق عالم جليل كبير السن, لكنه يحمل عقل الشباب وروحه وحماسته واجتهاده, ويفيض خيراً وحباً للإسلام والمسلمين, وهو نموذج حي على قدرة هذه الأمة على العطاء وتقديم القدوة حتى في أصعب الفترات, ويجب أن تتأسى الأجيال الناشئة والقادمة بأمثال هذا الرجل المثابر, امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد»، وأشار العوا إلى أن الباحث بذل جهداً كبيراً لتحقيق هدفه مهما طال الزمان, لافتاً إلى أنها رسالة غير عادية لموضوع غير عادي من إنسان غير عادي، وأكد أن هذا الإنجاز العلمي لم يصنعه الباحث لنفسه بل لطلاب ودعاة الأمة لتحقيق نهضتها ولتتبوأ مكانتها التي تستحقها.وأشاد العوا بفكرة جديدة قدمتها الرسالة داعياً لبحثها وهي أن الباحث يرى أن الصفة والمصلحة في الحسبة تتحقق بكل ولكل بني آدم في العالم, فهو يريد إنشاء نظام لمحاكمة الحكام والسلطان عبر نظام عالمي، فأي إنسان في أي مكان من حقه أن يرفع عنه الجور والظلم, ودعا لتجاوز مفهوم أهل الحل والعقد فهو «مفهوم تاريخي وليس ملزماً لنا», وأكد أن واجب الأمة هو إقامة الحُكم الصالح وإيجاد الحاكم المقيد بحكم الدستور والقانون.ويُذكَر أن الأستاذ محمد فريد عبدالخالق تعرَّف على الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها العام في عام 1941، وأصبح أحد أعضاء الجماعة المقربين من المرشد العام، وقد أسند إليه رئاسة قسم الطلبة، ثم رئاسة قسم الخريجين بالجماعة، وانتخب عضوا بالهيئة التأسيسية (مجلس الشورى)، ثم عضوا بمكتب الإرشاد العام, وكان أحد القيادات التي اختارت المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي عام 1951، وأحد قيادات الإخوان التي تفاوضت مع جمال عبدالناصر قبل وبعد ثورة يوليو 1952، واعتقل في يناير 1954 ثم أفرج عنه في مارس، ثم اعتقل مرة أخرى في أكتوبر 1954، وحُكِم عليه بالسجن عشر سنوات في القضية التي اتهم فيها الإخوان المسلمون بمحاولة قلب نظام الحكم واغتيال جمال عبدالناصر، إلا أنه أُفرِج عنه عام 1958, ثم اعتقل مرة أخرى عام 1965 وظل في السجن حتى نهاية عام 1971.وقد حصل الباحث على ليسانس الحقوق ثم دبلوم القانون العام ثم دبلوم الشريعة الإسلامية، وقد سجل رسالته للدكتوراه مجدداً عام 1994, وكان قد سجلها أولا عام 1968 وقد شغل منصب مدير عام دار الكتب والوثائق القومية بمصر, ثم وكيل وزارة الثقافة.د. محمد سليم العوا: الباحث نموذج حي على قدرة الأمة الإسلامية على العطاء ويجب أن تتأسى به الأجيال الناشئة |



