العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

أمي وأبناء العمومة

87-56.1.jpg

لم أكن أعرف بالضبط سبب برود مشاعري تجاه عمي وأبنائه وبيته. كل ما كنت أعرفه أن بيت عمي من البيوت التي لم أكن أنا وإخوتي نميل إلى زيارتها، بينما كان والدي يذهب إليهم وحده بين الحين والحين,وغالباً ما كان يطلب من أحدنا أن يصحبه، فكنا نتعلل بالمذاكرة أو التمارض أو عدم الرغبة كسلاً فلم يكن يُلزِمنا بل يتركنا.
وكبرنا وكبرت معنا هذه المشاعر السلبية، مع أن العم كان غاية في اللُّطف معنا, وزوجته كانت تُظهِر لنا من البِشر والترحاب الكثير, وغالباً ما كنا نعود من عندها حين كنا صغاراً مملوئي المعدة بما لذ وطاب ومنتفخي الجيوب بالحلوى والأموال.
لكن ذلك لم يكن ليشفع لها كثيراً عندنا, إذ كنا ننفر منها ومن أولادها ومن بيتها نفوراً كان يزداد بازدياد عمرنا, والذي كثيراً ما أدى لصدمات بيني وبين أبناء العم كانت تنتهي بالخصومة الطويلة التي كانت تزكيها أمنا الحبيبة! نعم أمنا الحبيبة، وهذا هو أساس الموضوع! فلقد كانت تزكي عندي وعند إخوتي روح الكراهية لأبناء عمنا بسبب وبدون سبب, وكانت تجعل من كل حبة قبة كما يقول في المثل, بل وكانت تحكي لنا قصصا كثيرة عن بعض أفعال عمي وزوجته معها ومعنا، وعن أولاده وقلة أدبهم وسوء خُلُقِهم معها ومع أبي, حتى صرنا- وهذا ما اكتشفناه مؤخرا للأسف - مشحونين بكمٍّ هائل من الكراهية لهم.
وإنْ أنسَ فلن أنسى أيام ظهور نتائج الامتحانات، وحرصها على معرفة نتائج أبناء عمي قبل نتائجنا، حتى تشبِعَنا توبيخاً إنْ كنا أقل منهم أو تشبِعَنا كلاماً مِلؤُه الفرح بما آل إليه أمرهم إن كانا نحن الفائقين.
وها قد كبرنا وبدأنا نربط الحاضر بالماضي، فوجدنا ما بيننا وبين العم وبيته كومة من الكراهية لأسباب واهية، عرفنا سببها عندما فهمنا, فبدأنا نفكر في سبب قطع الموصول رغم صِغَر سننا على هذا الدور، فكانت أمي أول من حاول صدنا عن هذا الباب, فبدأنا نطرقه على استحياء، فإذا برواسب الماضي كذلك تقف حجر عثرة أمام استكمال الطريق فتوقفنا تقريباً، لكن الخوف من قطيعة الرحم والحرص على نجاة أمي من وِزر الشحناء والبغضاء جعلنا نفكر من جديد، لكننا لاندري ماذا نفعل. فبماذا تنصحنا؟

الرد:

هذه هي المرة الثانية التي تتناول فيها الصفحة موضوع تحَمُّل أبناء لقطيعة الآباء، ومحاولتهم إصلاح ما أفسده الشيطان وما نزغه في صدور آبائهم. وهي بشارة خير لجيل يتهمه الكثير من الناس بأنه لم يعد فيه أمل، وهذه الرسالة أكبر رد على هذه الدعوى الكاذبة.
أما عن أمك ومثيلاتها من الأمهات سامحهن الله, فقد كادت أن تجني على جيل كامل من ذوي الأرحام بسبب الغيرة التي أكلت قلبها، حتى جعلتها لاترى الخير إلا في مضرة من تعادي، حتى ولو كانت الضحية أطفالاً أبرياء من أبناء عمومتك لا ذنب لهم إلا أنهم أبناء من تكره أمك.. سامحها الله.
وقد رأيت هذا النموذج كثيراً في محيط عملي التربوي، حتى إن بعض الأمهات كن يجتهدن في المدرسة أن لايكلم ولدها ابن عمه ولايجالسه ولايصاحبه، حتى لايؤثر على سلوكه حسب زعمها.  
وهذا النوع من النساء أنصحهن بأن يتَّقِين الله في الأرحام التي تُقطع بسببهن قبل أن يلْقَين الله بذنب وعد النبي صلى الله عليه وسلم أن لايدخل الجنة صاحبه حين قال: «لايدخل الجنة قاطع». 
أما عنك وعن إخوتك، فأبشرك أن الأرحام قد ركَّب الله عز وجل فيها من الحُنُو والرغبة في الصلة والتقارب ما يجعلها تستجيب لأي مؤثر خارجي أو داخلي يُهَيِّج هذه العاطفة عندها. ويكفي دليلاً على ذلك أن بعض القبائل العربية الأصيلة حتى الآن ما إنْ يُذَكِّرها أحد أبنائها الأباعد بأصله المتصل بها إلا وتُظهِر تجاهه البِشر والترحاب، كأنها أبٌ رُزِق بمولود جديد حبيب إلى قلبه. وهذ ما يدعوني لأنْ أطلب منك أن تستمر في طريقك حتى ولو عارضتك الأمور التي ذكرت، لأن الأرحام أسرع ما تكون عاطفة واتصالاً.
وحسبك أن عمك وزوجته وأبناءهما لو وجدوا منكم صدقاً وإلحاحاً في وصْل المقطوع وإصلاح المكسور - لاسيما وأن من أخلاقهم ما كان في الرسالة- فلن يتأخروا طويلاً في التفاعل الإيجابي مع مساعيكم الحميدة.
وهنا يأتي دور والدك - سامحه الله - الذي أعيب عليه دوره السلبي طوال الفترة السابقة واستسلامه لروح القطيعة التي دبت ببيتكم منذ سنوات حتى وصلت إلى ما ذكرت. أقول جاء دوره لإصلاح ما يمكن إصلاحه من علاقتكم بعمكم وأولاده. أما والدتكم فتَرَفَّقوا بها حتى تُخرِجوا ما تستطيعون إخراجه من متاعب قلبها، لأن ما أدخلته السنواتُ الطوالُ قلبَها من الكراهية لن يخرج في يوم وليلة، لذا أوصيكم بالتَّرَفُّق بها حتى برْد الحب وحلاوة الطمأنينة، فإن استجابت وإلا فامضوا في طريقكم حتى وإنْ رفضت، لأن حق الله عند التعارض مقدم على كل حق، وليس أعظم عند الله من رحِم طالت قطيعتها وحان وقت وصْلها.
بقي أن أقول إن سبب القطيعة كان من طرفكم، لذا وجب عليكم أن تتحملوا بعض المتاعب في سبيل الإصلاح، وأحسب أن صدقكم وإخلاصكم سيكون عاملاً كبيراً في تجاوب الطرف الآخر معكم، وأحسبه لن يصمد طويلاً أمام إنسان جاء للإصلاح بقلب طاهر مثل قلوبكم. حفظكم الله ووفقكم.
 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb