العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

شياطين في الخفاء

١-٨٨.jpg

خرجت لتوي من حياة بيتنا الكئيبة بعد زواجي الذي تمنيته منذ سنوات طويلة، لا لرغبتي في الزواج لذاته، لكن للهروب من ذلك المكان الخانق الذي يسمى بيت، وما هو ببيت إنما هو كل شيء إلا البيت الذي هو عنوان الراحة والسكينة والطمأنينة.
بيتنا مجمع أو موئل أو خليط من الشتائم والضرب وتضييع الصلوات والصخب قبل أن يحضر الوالد من عمله، ثم إذا حضر هدأت الأجواء وفُرِشت سجاجيد الصلاة وتوقفت الشتائم والأيادي، وتحولت الشياطين إلى ملائكة بريئة لم تفعل طوال غيبة الوالد إلا الخير والمعروف.
فالظاهر جميعنا صلاَّه وإن لم نكن كذلك، والشكاوى من بعضنا واعتداء كل منا على الآخر ضرباً وسباً، كل هذا كأن لم يكن موجوداً، والذي يراه أبونا الآن بينه وبين ما كان كما بين السماء والأرض.
والنتيجة إخوان في منتهى السفالة في اللفظ والسلوك، وأخوات لا هن صالحات ولا هن طالحات، وأم كل همها ألا يعرف أبي خفايا بيتنا التعس مهما بلغت درجة الضياع التي وصل إليها أبناؤها.
وقد وصل بي أمر الإحساس بالاختناق إلى رغبتي في الخروج من البيت مع أول خاطب يتقدم للزواج مني مهما كانت مواصفاته، إلا أن الله عز وجل أكرمني بزوج طيب أفضل مما كنت أتمنى.
لكن الصور المؤلمة التي أخذتها معي عن بيتنا مازالت تنتقل معي حتى وأنا في بيتي الجديد السعيد، ربما لخوفي على إخوتي ورغبتي في صلاحهم، وربما لطول مكوثي في هذه البيئة حتى أصبحت لاتكاد تفارقني.
أنا لا أستطيع أن أحدد السبب في هذه المشكلة، هل هي أمي التي تخاف أن يعتدي أبي الشديد بطبعه على أحد إخوتي أو أن يوجه لها اللوم لأنها لم تستطع تربيتنا؟ أم هو أبي الذي يتباهى في العلن أنه أحسن الناس تربية، وهو لايعلم أن من أبنائه من يسرق ويدخن ويسب ويلعن ويضرب رغم صِغَر أعمارهم.
لا أستطيع أن أحدد سبب هذه المشكلة، لذلك اكتفيت بأن أحافظ على نفسي ما استطعت وأوجِّه إخوتي قدر جهدي علِّي أغير من سلوك أحدهم.
نعم.. من إخوتي من هو على خير وكأنه لايعيش في بيت كبيتنا، لكنه لم يصبح كذلك لتربية مورست عليه وإنما بفضل الله وحده سبحانه.
والآن.. أجبني وبصراحة: هل من أمل في بيت كهذا؟ وماذا أفعل مع والد هذا حاله وأم هذا تفكيرها؟ وكيف أدرك من تبقى من إخوتي قبل أن يكتمل ضياعهم؟ وشكراً.

الرد:

 

أبارك لك زواجك السعيد الميمون بإذن الله، وأبارك لك خروجك من هذا الجو الآسن الذي أتعبني كاتباً فكيف بمن يعيشه واقعاً؟!
ويتوجع قلبي على إخوتك وأمثالهم الذين استودعهم الله أمانات عند آباء وأمهات ليربوهم ويحفظوهم، فإذا بهم يزيدون مجتمعاتنا من أعداد المشوَهين أخلاقياً وتربوياً، وكأن أمتنا ينقصها مثل هذه النوعيات من البشر لتزداد تخلفاً وضياعاً.
ثم يتألم القلب كمَداً من أولئك الآباء الذين شغلهم كثيراً أمر التباهي بتربية أبنائهم أمام الناس، وربما كل الناس يعرفون – إلا هؤلاء الآباء – مدى السوء الذي وصلت إليه حالة الأولاد، فلا هم ربُّوهم ولا هم حسَّنوا سيرتهم عند الناس.
ولن أطيل الحديث أيضاً عن والدتك ومثيلاتها ممن لايعرفن التربية إلا الضعف أمام الأبناء والكتمان عن الآباء، حتى جرت الرياح في البيوت بما لاتشتهي سفن التربية.
أما عنك أيتها العروس الجديدة التي خرجت من بيتها بهموم إخوتها دلالة على طيب قلبها ورحمتها بإخوتها، فإنني أدعوك أولاً أن تعيشي سعادة حياتك الجديدة حتى لاتنغّصي على زوجك وتحمليه همّاً لا ذنب له فيه.
ثم إذا آنست من زوجك قبولاً ورغبة في سماع شيء عن بيتكم فاستأذنيه مستشفعة بدماثة خلقه أن يساعدك في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بيتكم، عن طريق استضافة بعض أشقائك أو شقيقاتك الصغار أيام العطلات ولو لساعات، تنتهزين فيها بُعدهم عن جو بيتكم الصعب وتحاولين مع زوجك تطهير ما تستطيعين تطهيره من آثار أجواء البيت، ثم أدعوك وقد خرجت من بيتكم أن تلفتي نظر والدك بأي طريق غير مباشر، وأؤكد على كلمة غير مباشر، لأن الآباء العنيدين لايصلح معهم الطريق المباشر، وعليك أن توصلي إليه حال البيت وما آلت إليه أمور إخوتك بطريقة لايفطن لها إلا صاحبها بقدر ما يفطن إلى أصل المشكلة، حتى يفيق من حالة التغافل التي يعيشها والتي لاتعفيه من تحمل المسؤولية، حتى وإنْ أدى ذلك إلى صدمته التي تخافونها جميعاً، فلأَن يفيق على الواقع المؤلم لأولاده خير له من أن يتوهم حالاً غيرها حتى تحيط به انحرافاتهم من كل جانب.
أما والدتك فلن أُكثِر الكلام عن دورها، لأنني أتخيل من خلال ما سبق أنها من نوع الأمهات الضعيفات اللائي لا حول لهن ولا قوة، واللائي لايمكن أمام قوة الزوج وضعفهن إلا أن يستسلمن لتيار الحياة مهما كانت فداحة النتيجة، لذا لن أعوِّل كثيراً على مشاركتها، لكن حاولي معها كي تشارك ولو بجزء قليل في حل بعض العُقَد التي سبَّبها ضعفها.
بقي أن أقول لك إنه لا ذنب لك فيما حدث حتى لاتحملي نفسك فوق طاقتك، لكن قدر الغيورين المحبين للخير أمثالك جعلك تتحملين عبئاً فوق أعبائك رغم صغر سنك، فاستعيني بالله وحاولي التغيير من بعيد دون يأس أو استعجال من جهة، ودون أن تطغى مشاكل أسرتك على حياتك الزوجية من جهة أخرى، وحتى لاتجبرين زوجك على كراهية كل ما يتصل بحياة والديك وإخوتك.. وفقك الله.

إعلانات

Developed By: Frecsoweb