العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

كيفية التعايش السلمي في ظل الهويات الثقافية المتعددة

د. محمد عمير الشرياني: الإمارات استثناء نادر ونموذج للتعايش السلمي
- إيمان البوشى
-٥٠.jpg

التنوع والإختلاف سُنَّتان من سنن الله في خلق الكون. البحرين هي أحد أكثر بلدان العالم تنوعاً في تركيبتها السكانية من حيث أعراقهم وثقافاتهم ولغاتهم ومذاهبهم. والتغيير المنشود يتطلب أولاً أن يتحرر الكل من أبناء البلد من ضيق الأفق وضيق الصدر وشح النفس وحب الذات، فلايغير الله ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم. إذن الأمر يحتاج نخبة مستنيرة ذات بصيرة ورؤية. ويبقي السؤال لماذا لاتحذو مملكة البحرين حذو دولة الإمارات العربية المتحدة في كيفية التعايش السلمي رغم الهويات الثقافية المتعددة.
ضمن برنامج المحاضرات التي تنظمها إدارة الثقافة والفنون في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ألقى الدكتور محمد علي عمير الشرياني مدير إدارة شؤون المجتمع في المجلس الأعلى للأمن الوطني مؤخراً محاضرة بعنوان (الهويات الثقافية والتعايش السلمي).
قدم للمحاضر عبدالله العامري مدير إدارة الثقافة والفنون بالهيئة، حيث استعرض سيرة الدكتور الشرياني الذي يعد من أوائل الباحثين الذين تطرقوا لموضوع الهوية الوطنية في دولة الإمارات، عبر أطروحة الدكتوراه التي أنجزها عام 2004، إلى جانب تناوله موضوع العمالة الوافدة والاستقرار السياسي في دولة الإمارات في رسالة الماجستير. وللمحاضر العديد من الدراسات والمقالات التي تتناول قضايا حيوية من الواقع الإماراتي منشورة في صحف ومجلات إماراتية.
بدأ الدكتور الشرياني محاضرته باستعراض المتغيرات الدولية في بداية الألفية الثالثة، والتي وصفها بأنها تصاعدت، بحيث تنامت معها المخاطر التي تهز استقرار المجتمعات الإنسانية وتهدد السلم والأمن الدوليين، نتيجة الانعكاسات السلبية لظاهرة العولمة, واكتساحها معظم بلدان العالم.
وقال «إن الخطر الأكبر الذي يهدد الأمم والشعوب في هذا العصر هو ذلك الخطر الذي يمس الهوية الثقافية والذاتية والحضارية والشخصية التاريخية للمجتمعات الإنسانية في الصميم, والذي قد يؤدي إذا استفحل إلى ذوبان الخصوصية الثقافية، التي تجمع بين هذه الأمم والشعوب والتي تجعل من كل واحدة منها شعباً متميزاً بمقومات يقوم عليها كيانه».
وأكد الدكتور الشرياني أنه لايمكن تصور قيام أي تعاون دون الإقرار بمبدأ التنوع الثقافي، والذي تشترك من خلاله جميع الحضارات في الإيمان بقيم الإخاء والعدل والتسامح، وهي مبادىء كونية ينبغي الارتقاء بمضامينها وترسيخها في الضمائر والسلوك، باعتبارها موروثاً إنسانياً جماعياً ينبغي التأسيس عليه لتحقيق تعايش سلمي بين الهويات الثقافية المختلفة.
وبعد أن شرح المحاضر مفهوم الهوية الثقافية ومفهوم التعايش السلمي خلص إلى أن الذات المفكرة تقوم بدور كبير في إنتاج الثقافة وتحدد نوعها وأهدافها وهويتها في كل مجتمع إنساني، وفي كل عصر من العصور، ولذلك من الصعب إيجاد تعريف مانع جامع لمفهوم الهوية الثقافية، التي تختلف من مجتمع إلى آخر ومن عصر إلى آخر, إلا أنه رصد ثلاثة تيارات عربية تحدد هذا المفهوم كل بطريقته.
فهناك تيار يحدد الثقافة داخل إطار جامد ومبادىء مطلقة غير قابلة للتغير, حيث مُحدِّداتها وعناصرها ثابتة وتصلح لكل مكان وزمان, وهي هوية تتعالى على أحداث التاريخ وصيرورته، أي لاتتحول ولاتتبدل ولاتتطور. وهناك تيار آخر على النقيض منه حيث يرفض الهوية الثقافية المبنية على أسس ومبادىء التراث، وينظر إليها على أنها هوية جامدة متحجرة ولا أمل في بث الحياة فيها وبالتالي يرفضها ويتبنى هوية ثقافية عصرية تستمد أسسها من الحضارة الغربية الحديثة المعاصرة.
أما التيار الثالث فيتميز بالروح العقلانية النقدية والواقعية العلمية، ويحاول أن ينتج ثقافة متعددة المناهج منفتحة على الثقافات الأخرى، وتستفيد من نتائج العلوم التجريبية والإنسانية ويعتبرها دواخل مهمة تتغذى منها الثقافة، وينظر هذا التيار إلى الهوية كونها هوية مرنة متجددة تتجدد عناصرها حسب التطور ومستجدات العصر، مع احتفاظها بخصوصيتها، كما تستوعب ثقافة الأفراد وتوظفها في بناء ثقافة منفتحة.
أما فيما يتعلق بمدلولات مصطلح التعايش السلمي الذي بدأ يظهر في العصر الحديث مع بدء الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية اللتين قسَّمتا العالم إلى معسكرين متنافرين قبل سقوط سور برلين والاتحاد السوفيتي السابق، فقد أكد الدكتور الشرياني بأن التسامح والتعايش مفتاح للتخلص من الخلافات وهو شرط ضروري للسلام والتقدم الاجتماعي، ومن خلاله نستطيع التغلب على التعصب والتمييز والكراهية.
ووجد المحاضر أن دولة الإمارات تعد نموذجاً للتعايش السلمي، واعتبر أنها تعد استثناء على المستوى العربي، وقال «لو فرشنا الساحة العربية لوجدنا ما يحدث في العراق ولبنان وفلسطين واليمن من قتل وعنف عربي، دون أن نعرف ما هي القضية، لوجدنا أن المواجهات والاغتيالات والصراعات العبثية المستمرة والانهيار الشنيع في القيم والأخلاق والحس المدني، كل ذلك يؤكد أن العنف هو القاعدة السائدة عربيا، غير أن الإمارات تعد واحدة من الاستثناءات القليلة في قاعدة العنف والتطرف والتشدد والقلق العربي».
وأكد الشرياني أن سجل الإمارات مشرف على صعيد السِّلْم الاجتماعي، فالاستقرار السياسي والاعتدال الفكري والازدهار الاقتصادي علاوة على التعايش السلمي بين الجاليات هو السائد فيها، علماً بأنها تستقطب أكثر من 8 ملايين سائح سنوياً، وفيها أكبر عدد من الشركات العابرة للقارات وقدر كبير من الاستثمارات الإقليمية والدولية.
وأضاف «ربما يكون السبب التاريخي والثقافي في مقدمة الأسباب التي تجعل من الإمارات نموذجاً للتعايش بين أكثر من 180 جنسية تعيش على أرضها، فلم تعرف البلاد في تاريخها القريب صراعاً عنيفاً وبروز تيارات متشددة، كما أن الثقافة السياسية السائدة تميل إلى الاعتدال والتوازن والتسامح والانضباط في السلوك والتفكير، وعلاوة على ذلك يساهم الرخاء الاقتصادي في بقاء الإمارات بعيداً عن الصراعات والتوترات، أضف إلى ذلك الجو الاجتماعي الليبرالي المريح للتعايش السلمي القائم على مبدأ احترام الحرية الشخصية والذي يدفع المواطنين والمقيمين للإقبال على الحياة. وبجانب كل ذلك ساهمت السياسة الخارجية المعتدلة والمحايدة لدولة الإمارات في تعزيز مكانتها بين الدول، واعتبارها صديقة للجميع، والكل يشعر بالرضا تجاه مواقفها القومية وسلوكها الخارجي».
 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb