كتاب (كليلة ودمنة) لعبدالله بن المقفع كتاب لامعٌ ماتع، بلغ من الشهرة ما لم يبلغه كتاب آخر في موضوعه، فهو ليس مجرد سرد لحكايات خرافية على ألسنة الحيوان، بل هو كتاب يرمي إلى تقديم عظات أخلاقية وتوجيهات سياسية متنوعة الموضوعات، موجهة في المقام الأول إلى الملوك والسلاطين فابن المقفع في هذا تكلم على لسان (بيدبا) الفليسوف الهندي، وجعل موقفه مع الخليفة المنصور العباسي موقف بيدبا من الملك (دبشليم) - أحد ملوك الهند - ليكون الكتاب نصيحة غير مباشرة للخليفة.
وقد رتبه على عشرين باباًًًًًًًًًًًًً - إذا عددنا عرض الكتاب ومقدمته بابين - كل باب منها قائم بنفسه، وفي كل باب مسألة وجواب عنها، وجعل كلامه على ألسنة البهائم والسِّباع والطير ليكون ظاهره تسلية وباطنه حكمة وأدبا، وضمَّنه أيضاًًًًًًًًًًً بعض ما يحتاج إليه الإنسان من أمر دينه ودنياه، وآخرته وأُولاه، ويلاحَظ أن كل باب يحتوي على خرافة رئيسية طويلة تتخللها خرافات قصيرة ترد عادة على سبيل الاستشهاد وتتداخل مع بعضها أحياناً، وتبدأ الأبواب بجملة تتكرر في أولها على لسان الملك دبشليم موجهة للفليسوف بيدبا: «عرفت - أو سمعت - هذا المثل» ويشير بذلك إلى ما سبق في الباب الذي قبله، ثم يتبعه بقوله: «فاضرب لي مثل كذا وكذا»، فيشرع بيدبا بمقدمة أشبه ما تكون بالعنوان المشوق لمعرفة مضمونه، ثم يسكت هنيهة فيبادر الملك دبشليم إلى السؤال: «وكيف كان ذلك؟»، وهنا ينطلق الفليسوف في سرد حكاياته وأمثاله الخرافية، مستهلاً بقوله: «زعموا ...».
وقد كنت - قبل قراءتي للكتاب - أظن أن عمل ابن المقفع لايتعدى ترجمة إلى العربية، ولكن محقق الكتاب الأستاذ فاروق سعد أثبت في مقدمته أن ابن المقفع قد أضاف إليه عبارات بل زاد فيه أبواباً، كباب (الفحص عن أمر دمنة) وباب (الحمامة والثعلب ومالك الحزين) اللذين يكاد يُجمِع الباحثون - ومنهم المستشرق بروكلمان في كتابه (تاريخ الأدب العربي) - على أن موضوعها من ابتكار ابن المقفع، استناداً إلى عدم وجودهما في النسخة السريانية التي ترجمها الراهب الإيراني (بود) عام 570م، ولأنه ليست لها مصادر أجنبية، ومما يؤيد هذا الاتجاه وجود كلمات: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، ونحو ذلك في ثنايا الكتاب ومنعطفاته، إلا أن يقال إن ابن المقفع قد تصرف بالكتاب ليتلاءم مع البيئة والثقافة الإسلامية.
الحقيقة أن هذا الكتاب - الذي يعد درة حكايات خرافات الحيوان - نسيج وحده، سواء في أسلوبه الشائق, أو في موضوعه وبابه، أو في أمثاله وعظاته، ولذلك حرصت الأمم على اقتنائه وترجمته إلى لغاتها الفارسية والسريانية والعربية والعبرية واللاتينية القديمة، ثم إلى مختلف اللغات الأوروبية الحديثة.