العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

إعادة بنـــاء الكعبـــة

جهاد البيان
-٤٤.jpg

اجتاح مكة في شباب الني صلى الله عليه وسلم سيل هادر طال الكعبة المشرفة فصدع أركانها، وأوشكت على الانهيار، غير أن الرهبة أوقعت التوجس في قلوبهم إذ إن هذا البناء هو بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وزاد من رهبتهم رؤية حية ضخمة تطل عليهم ثم تختفي داخل البناء ولكنهم حرموا من الطواف كما سوف يحرمون من منافع الحج والتجارة وهذا مصدر ثروتهم، وعندما بلغ بهم القلق مبلغا هائلا أدهشهم أن عقابا عظيما أخذ يحلق حول الكعبة حتى برزت الحية فهوى عليها ثم اختطفها، فتفاءلوا أن يكون الله تعالى أذن لهم بنقض البناء وإعادة إقامته.
غير أن التردد ما زال يدفعهم إلى الإحجام حتى تقدم الوليد بن المغيرة؟ أحد وجهائهم فقال إنه سينقض أحد أحجارها   فإن أصابه سوء عرفوا أنهم ممنوعون وإن سلم فقد أذن الله لهم بإعادة بنائها، ثم إنه سلم فمكثت قريش أربع ليال: ثم جمعت القبائل من قريش لبنائها كل قبيلة تجمع على حدتها ثم بنوا حتى بلغ البناء موضع الركن وهو الحجر الأسود فاختصموا في رفع الركن: كل قبيلة تريد أن ترفعه دون الأخرى فقالت كل قبيلة: نحن نرفعه حتى تحازبوا أو تحالفوا و أعدوا للقتال فقربت بنو عبدالدار جفنة فملؤوها دما ثم تحالفوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت وأدخلوا أيديهم في الجفنة فغمسوها في الدم فقال في ذلك عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار:
والله لا نأتي الذي أردتم
ونحن جميعا أو نخضب بالدم
ونحن ولاة البيت لا تنكرونه
وكيف على علم البرية نظلم
لنبغي به الحمد الذي هو نافع
ونخشى عقاب الله في كل محرم
فكيف ترمونا و عز قناتنا
له مكسر صلب على كل معلم
فهيهات أنى يقرب الركن شاور
و نحن جميع عنده حين نقسم
فإما تخلونا و بيت حجابنا
وإما تنوؤوا ذلك الركن بالحم
❃  ❃  ❃
فأجابه وهب بن عبد مناف:
أبلغ قريشا إذا ما جئت أكرمها
إنا أبينا فلا نؤتيكم غلبا
نحن الكرام فلا حي يقاربنا
نحن الملوك ونحن الأكرمون أبا
و قد أرى محدثا في حلفنا طهرا
كما ترى في حجاب الملك محتجبا
أنا لنا عزنا ماذا أراد بنا
قوم أرادوا بنا في حلفهم عجبا
قوم أرادوا بنا خسفا لنقبله
كلا وربك لا نؤتيهم غضبا
❃  ❃  ❃
وعندما احتدم الخلاف وأوشك أن يكون التحاكم للقتال قال حكيم منهم: لنحتكم إلى أول رجل يدخل علينا فكان الداخل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم – ولم يكن أوحي إليه – فارتاحت نفوسهم جميعا وقالوا: هذا الأمين رضينا به حكما، فنزع رداءه ووضع فيه الحجر وقال: ليمسك زعيم كل قبيلة بطرف، حتى بلغوا موضع الحجر فأخذه بيده الشريفة ووضعه في مكانه فرضيت نفوسهم، ونال هو الشرف.
قال الزبير بن عبد المطلب فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:
عجبت لما تصوبت العقاب
إلى الثعبان و هي لها اضطراب
وقد كانت يكون لها كشيش
وأحيانا يكون لها وثاب
إذا قمنا إلى البنيان شدت
يهيبنا البناء و قد يهاب
فلما أن خشينا الرجز جاءت
عقاب قد يطل لها انصباب
فضمتها إليها ثم خلت
لنا البنيان ليس له حجاب
فقمنا حاشدين على بناء
لنا منه القواعد و التراب
غداة نرفع التأسيس منه
وليس على مساوينا ثياب
أعز به المليك بني لؤي
فليس لأصله منهم ذهاب
وقد حشدت هناك بنو عدي
ومرة قد تقدمها كلاب
فبوأنا المليك بذاك عزا
وعند الله يلتمس الثواب
❃  ❃  ❃
وقال الزبير بن عبد المطلب في ذلك أيضا:
لقد كان في أمر العقاب عجيبة
ومخطفها الثعبان حين تدلت
فكان مدى الأبصار آخر عهدنا
بها بعدما باتت هناك و طلت
إذا جاء قوم يرفعون عماده
من البيت شدت نحوهم و احزألت
فما برحت حتى طننا جماعة
بأن علينا لعنة الله حلت
فقلنا جميعا قد عملنا خطيئة
فتعسا لنا والحلم منا أضلت
❃  ❃  ❃
وقال الوليد بن المغيرة في بنيان الكعبة و شأن الحية:
لقد كان في الثعبان يا قوم عبرة
ورأي لمن رام الأمور على ذعر
غداة هوى النسر المحلق يرتمي
به غير حمد منكم يا بني فهر
على حين ما ضلت حلوم سراتكم
وخفتم بأن لا ترفعوا آخر الدهر

إعلانات

Developed By: Frecsoweb