– ناصر البهدير
خلال الأسبوع الأخير من شهر فبراير المنصرم، صدرت بعض الأخبار المؤكدة من مجلس التنمية الاقتصادية بصدد اعتزام خصخصة شركة (طيران الخليج). فقد أعلن الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة الرئيس التنفيذي للمجلس في مقابلة مع رويترز: إن مملكة البحرين تعتزم خصخصة شركة (طيران الخليج) التي تعاني من خسائر تثقل كاهلها في غضون عام بعد أن ينجح برنامج لإقالتها من عثرتها.
«الخليجية» كما يحلو للكثيرين تدليلها بهذا الاسم، انتقلت كما هو معروف الى البحرين بعد رحلة طويلة من الشقاء الخليجي، فهذه الشركة الحكومية تواجه خسائر تشغيلية وصلت الى أكثر من 500 مليون دينار في عام واحد، كما تعاني من إخفاق في تسديد ديون باهظة التكاليف لم يعلَن عنها بصورة واضحة. كل هذا يذكرنا بأحداث في سابق عهدها الخليجي.
انهيار “الخليجية” لم يكن مفاجئاً حقاً، فالشركة المترهلة، غير الشفافة كانت تسرف في الإنفاق كحال كثير من الشركات الحكومية، فهي تضم طاقماً ضخماً، في غالبه يصطف بالأجانب كما يقول منتقدوها بانتظام، حتى أصبحت نتيجة لذلك محل مزايدات سياسية. لكن التبعات كانت مهولة، وذات طابع مبهم، فشركة بهذا الحجم لماذا تدحرجت بسرعة البرق، وتضررت بآثار الصدمة الكبيرة، وأضحى الضرر معها بليغاً، مما خلَّف ندوباً فيها عميقة لدرجة أن هبَّ أعضاء البرلمان في نجدة وطنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه إلى حد كبير من حماسة تجاوزت وطغت وسط بعض الكتل السياسية، لاتخاذ الانهيار ذريعة للتدخل، في محاولة للظفر والفوز بالمقاعد الآنية بالبرلمان مرة أخرى.
بحلول هذا العام، وبشكل عام، فإن المخاوف بشأن الخليجية قد تكون في مرحلة التلاشي، وقد تكون البحرين برمتها دخلت مرحلة أخرى من مراحل التعافي من آثار الوعكة التي خلفتها شركة (ممتلكات) القابضة غير المجدية، وأيضاً استطاعت أن تتعافى من التركة الثقيلة التي ينوء بحملها الاقتصاد الوطني من جراء الدعم الكبير المقدم للعديد من السلع الاستهلاكية. عندها يمكن القول إن البلاد انتشلت نفسها من الهاوية وعادت إلى النمو مجدداً بعد الأزمة.
وتعتزم البحرين أيضا خصخصة خدمات حكومية أخرى من المستشفيات إلى إدارة الصرف الصحي، في ظل سعيها لتنويع اقتصادها لتقليل اعتماده على النفط، وبناء قطاع خاص تتوافر له مقومات النمو واقتصاد يقوم على الضرائب.
وقد تطرح إدارة مستشفى الملك حمد العام وهي قيد الإنشاء حالياً، ومحطات الوقود التابعة لشركة نفط البحرين (بابكو) المملوكة للدولة للخصخصة في نهاية العام. كما أن العقود الخاصة بخصخصة خدمات البريد ومعالجة مياه الصرف الصحي هي قيد الدراسة في الوقت الحالي. وتعتزم السلطات أيضاً إلغاء الدعم بشكل تدريجي في الأجل الطويل لتخفيف الأعباء المالية العامة، كما تخطَّط لاستهداف أشكال أخرى من الدعم من بينها أن يكون دعم الكهرباء للفقراء فقط بدلاً من كل العملاء، لكن ذلك سيكون عملية تدريجية تستغرق سنوات حسب مجلس التنمية.
إن الضائقة التي تمر بها البلاد تستدعي مثل ذلك التخطيط، لذا أصبح التفكير بصوت مسموع مجدياً لتطبيق ما يمكن أن نطلق عليه وصفات صندوق النقد الدولي لمنح القروض، مما يحمد لقيادة البلاد، وان جاء في ظرف عصيب، لا تحتمل فيه البلاد عمليات جراحية قاسية واضافية هذه الايام، لذا فقد اتخذ مسار الخصخصة منحى تصاعدياً نحو التطبيق الفعلي على أرض الواقع. ربما تنفرج أسارير مجلس التنمية الاقتصادية الذي يسعى جاهداً منذ زمن لإزالة ما علق به من وصمة تكاد تطيح به كمؤسسة منوط بها القيام بالكثير من أعباء البلاد الاقتصادية، ولازال الأمل المرتجى لصيانة رؤية البحرين الاقتصادية 2030 من أي خلل يعتري مسيرتها صوب التنمية ورفاه البلاد.
دعونا ننظر إلى الأمر من زواية مختلفة، حتى لايلتبس مشروع الخصخصة القادمة في أذهان البعض، لأن ما يناط بالنهوض باقتصاد البلاد في ظل هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها، يحتاج إلى تضافر الجهود حكومة وشعباً. وعلى الحكومة أن تتخلص من أعباء القطاع الخدمي بكل ما فيه من مخاطر، وإحالته عاجلاً إلى القطاع الخاص، على ان تراعَى خصوصية الفئات الضعيفة ومحدودي الدخل وأن ينالوا دعماً خاصاً على المدى الطويل.
الأهم من كل ذلك، على الدولة أن تتحرك بتؤدة وتجوس من خلال الأزمة المالية العالمية، لإصلاح هيكل الاقتصاد الوطني بصورة جذرية.