العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

إمكانية تطبيق إلغاء الفوائد الربوية

ما بين حداثة التجربة الإسلامية وعراقة النظام الرأسمالي
- ناصر البهدير
-٣٩.jpg

تتجه الأنظار في كثير من الدول التي تتخذ من الرأسمالية نظاماً لاقتصادها منذ فترة، نحو اعتماد تطبيق مبادئ الاقتصاد الإسلامي المبني على تداول النقود والسلع الحقيقية، لمحاولة النجاة من طوق الأزمة المالية العالمية، وحالة الكساد التي خلقتها، لذا لم يكن من المستغرب أن يتقدم النائب حمد المهندي عضو كتلة الأصالة الإسلامية باقتراح بقانون إلى هيئة مكتب مجلس النواب بشأن حظر الفوائد الربوية في النظام المصرفي والمالي بمملكة البحرين، ويقضي بأنه على مؤسسات القطاع المصرفي التي تتعامل بالفوائد الربوية توفيق أوضاعها بموجب هذا القانون خلال ثلاث سنوات من تاريخ بدء العمل بأحكام هذا القانون.
من المؤكد أنه اقتراح له وجاهته النظرية، إلا أنه سيواجه حتماً صعوبة في فكرة إنزاله إلى أرض الواقع، خاصة وأن صناعة المال ماتزال في حوزة النظام الغربي، ولكن دعونا نقرأ ما بين سطور اقتراح كتلة الأصالة الإسلامية. فماذا قالت على لسان المهندي؟
في تصريح للزميلة (أخبار الخليج) الخميس الماضي، قال المهندي إن المبررات التي تقف وراء الاقتراح تأتي تنفيذاً لنص المادة (2) من دستور البلاد التي تنص على أن: (دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع).
وأضاف بأن الربا آفة اجتماعية وجريمة اقتصادية توجب الحرب من الله على مرتكبيه، موضحاً أن القطاع المصرفي والمالي يعتبر الركيزة الأهم في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدولة، فقد ثبت بمنطق العلم والحس الواقع أن تطبيقات الفوائد الربوية في هذا القطاع من شأنها أن تخلق سلسلة من الأزمات الاقتصادية على الصعيدين المحلي والعالمي، والتي تمتد بمرور الزمن لتُحدِث كارثة اقتصادية عالمية، وقد بات الاقتصاد العالمي بمختلف مدارسه ونظرياته يتطلع إلى نظام بديل يقي العالم من أضرار الربا وآثاره الكارثية المزمنة، حيث تعددت النداءات المطالِبة بضرورة الأخذ بالنظام الاقتصادي الإسلامي الذي يتركز على مبدأ (حظر الربا) بمختلف صوره وأشكاله ومسمياته المعاصرة، كما اتخذت البنوك المركزية في العالم سلوكاً مشابهاً حيث قضت جميعها بتخفيض معدلات الفائدة إلى مستويات وصل بعضها إلى معدلات صفرية، للوقاية من الأزمات الاقتصادية والحد من آثارها التضخمية.
وتابع «لقد جاء هذا الاقتراح ليسهم في خلق أجواء اقتصادية صحية تتسم بالاستقرار والتوازن، كنتيجة طبيعية لسيادة التعامل الموضوعي في خلق وتبادل النقود على أساس سلعي حقيقي، وإقامة المبادلات الائتمانية على قاعدة آمنة من المديونيات الثابتة التي ستنعكس حتماً على تأمين الاستقرار لدخول المواطنين، مما يسهم في تأمين مسيرة التنمية الوطنية، كما يحمي الاقتصاد الوطني من التعرض للأزمات النقدية والانهيارات الاقتصادية التي يشهدها العالم بسبب الربا وتقلبات أسعار الفائدة الربوية».
ويؤكد المهندي ان هذا الاقتراح يلبي حاجة البنوك التجارية ومؤسسات التمويل والاستثمار التقليدية التي تتطلع إلى التخلي عن الفوائد الربوية في معاملاتها، والالتحاق بالأنظمة المالية الإسلامية. يضاف إلى ذلك تزايد مخاوف البنوك والمؤسسات الربوية من مخاطر تقلبات الفائدة العالمية والأثر السلبي البالغ الخطورة على آجال سُلَّم استحقاقات الودائع وفوائد القروض والسندات طويلة الأجل، مما حدا بتلك المؤسسات الربوية إلى أن تستحوذ على حصص كبيرة في بنوك ومؤسسات عالمية إسلامية، لأنها الملاذ الآمن من المخاطر الاستراتيجية المستقبلية الناتجة عن التعامل بالفوائد الربوية، التي باتت تهدد كيان تلك البنوك والمؤسسات المالية في الأجل الطويل، وخصوصاً في ظل ارتفاع معدل حالات الإفلاس المصرفي التقليدي في العالم.
ويقول النائب: يتيح إلغاء الفائدة إعادة بناء أنظمة الرقابة والإشراف المركزية على أسس واضحة ومتينة تتسم بالشفافية والاستقرار، وذلك فيما لو قورنت بالمديونيات الربوية التي لاتنضبط بأسقف محددة، بسبب الفوائد المتغيرة أو التأخيرية، وما يصاحب ذلك من حالات الغش والتدليس والتحايل التي قد تمارَس بسبب تداخل الفوائد وتركيبها وعدم شفافيتها.
ومن جانب آخر، أكد الخبير الاقتصادي محمد الصياد صعوبة تطبيق نظام لايقر بنظام الفائدة، خاصة وأن البحرين لاتطبق قوانين الشريعة الإسلامية بالصورة التي يتحدث عنها البعض، بل تعتمد في اقتصادها على النظام الرأسمالي.
وقال الصياد إن الدول الخليجية اتجهت إلى اقتصاد السوق المفتوح لتحقيق الكفاءة وبحثاً عن إنتاجية تحقق النمو ورفع الناتج الإجمالي المحلي. وإذا نظرنا إلى المملكة العربية السعودية والتي تطبق قوانين الشريعة بحذافيرها نرى أنها رغم ذلك تتيح للبنوك الاستمرار في العمل بالفائدة.
ويشير الصياد إلى أهمية نسبة الفائدة للبنوك لأنها أحد أشكال الربح الوحيد، لذا من البديهي لأعمال المصارف أن تنطلق من مبدأ الربحية، إذ إن الاقتصاد الرأسمالي يعتمد على الفائدة كحافز للمستثمر.
إلى ذلك، اتفق الاقتصادي أحمد اليوشع مع ما ذكره الصياد، وقال إن من الصعوبة بمكان أن يكون هنالك فصل في آلية النظام الاقتصادي العالمي باعتباره منظومة واحدة تعمل وفق مبدأ الإقراض. إلا أنه عاد وقال: «أما إذا كانت الدعوة إلى نظام اقتصادي إسلامي ليميز نفسه عن الآخرين ويعكس الاهتمام برفاهية الناس فهذا شأن آخر لايختلف الناس حوله، وإنْ كان في الأمر صعوبة كبرى في تنزيله على ارض الواقع الذي يحكمه الاقتصاد الحر والمصالح المتبادلة، وهذا يعني الغاء كل العلاقات التجارية بين البحرين والدول الأخرى».
ويضيف: إن تكلفة البنوك الإسلامية لاتقل عن التجارية من ناحية تأسيسه،ا بينما تكلفة البنوك الإسلامية في الاقتراض أعلى من البنوك التجارية، فكيف لاتكون هنالك أسعار فائدة؟ وكيف يُسترجَع الدَّين المبني على نظام الاقتراض أياً كان نوعه وأهدافه؟
ويؤكد اليوشع أنه لاتوجد جدوى اقتصادية من إلغاء الفائدة، وأن الجدوى المطلوبة هي المقدرة على الحفاظ على الموجود وتطويره بالقدر الذي يحمي الاقتصاد من الأزمات، مشيراً إلى أن الدولة بادرت بخلق البنوك الإسلامية، وتعتبر البحرين أكبر حاضن لها بالمنطقة حيث تقوم برعايتها.
واوضح أن أكثر البنوك في العالم الإسلامي هى البنوك التجارية التي تعمل على التجزئة، وهذا نوع من النشاط التجاري يترك أمر حرية قبوله للآخرين.
وقال إنه «من الصعوبة أن تخلق نظاماً إسلامياً قائماً على إلغاء الفائدة، ويعني ذلك الخروج كلية من النظام العالمي، وكيف تقرر عدم التعامل معه البتة، وأنت جزء منه ولك معاملات مع دول عديدة؟ مضيفاً أنه سبق وأن حاول النظام الشيوعي السابق في الاتحاد السوفيتي السابق أن يخلق نظاماً بديلاً للنظام الرأسمالي، لكنه فشل في ذلك رغم القرار الذي اتخذه بهذا الصدد».

إعلانات

Developed By: Frecsoweb