العدد 116 - 2010-09-08 - الاربعاء- ٢٩ رمضان ١٤٣١

«فلسطين» بعيداً عن الجرح النازف!

عبقرية العقل العربي في تلبيس القضية لبوساً عدة
غسان علي عثمان
-٣٧.jpg

-٣٦.jpg

«إذا تعطل التاريخ على أن يكون تاريخاً للأوطان فإنه سيتحول من علم صيرورة إلى مجرد شذرات لإشباع الأنثربولوجيين، والثقافة القومية إذا ما تحررت من قيم الوطن الواحد ستصير ثقافة فضائية لا مرئية، وعنده ستحدث المأساة الكبرى»
د. محمد عابد الجابري
 

اغتنت أدبيات الوعي العربي ببكائيات عديدة فيما يخص القضية الفلسطينية، شعراً وغناء، أفرغنا تيهنا حزناً على ما ضيعناه من أرض فلسطين، وبكيناه بكاءً مراً يحكي قصة الإنسان في متاهاته الكبرى. الإنسان العربي الذي ضل الطريق وانتهى إلى اللاشيء، فما اختزنته ذاكرتنا بحثاً عن فردوس مفقود، ظللنا نتوق إليه في غير مكانه دون عمل يقودنا إليه!، لقد تجلت عبقرية العقل العربي في تلبيس القضية الفلسطينية لبوساً عدة، فتارة هي «القدس، والقدس لنا»، وتارة أخرى «فلسطين الجرح النازف في جسد الأمة»، وما امتنع هذا العقل الحرج عن إطلاق مسميات يبرر بها فشله وعجزه الحضاري، ولعل الأمر يعود إلى طبيعة الوعي العربي، المطبوع بثنائية الفشل والنجاح، الهزيمة والنصر، الله والشيطان، والضحك والبكاء، وفلسطين نالت من حظوظ هذه الثنائية ما جعلها عِجْلنا المقدس، ومارسنا نحن دور السامري بامتياز! في هذه المقالة سنبحث ما استطعنا عن عيوب هذه الثنائية التي طبعت نظرتنا لقضايا الحضارية وفي مقدمتها قضية فلسطين، التي عجزنا عن فهم أبعادها وركَنَّا للأقوال المجانية وامتهنَّا الحضور السلبي في مستوى توصيف المسألة لغوياً، وهو ما يجعل من محاولات التجييش صوتاً بلا صدى وجهد بلا طائل.

القضية الفلسطينية
هيجل الصهيوني الأكبر
من الخطأ أن نصف حال القضية الفلسطينية بأنه نزاع (فلسطيني/ إسرائيلي)، وكأن الأمر يتلخص في خلاف سياسي، وهذا يُغَيِّب جوانب عدة تمثلها القضية، والوصف الصحيح في نظرنا، أنه صراع بين ذهنيتين، وبالضرورة بين ثقافتين، الأولى: يحكمها الوعي الجماعي العدواني، التي تقف شواهد تاريخية كثيرة عن صحته، إن العقل اليهودي يمثل خلاصة الفلسفة الهيجلية الألمانية التي تنظر إلى الشرق بتمثيله كلاً واحداً، المشروع الهيجلي القائم على تدبيس وتشبيك المتناقضات في سياق كلي، إدعاءً منه بعقلانية موهومة تتلخص في إقراره مبدأ «الفكرة المطلقة» والتي هي هنا إعلاء المعرفة المادية في دراسة التاريخ، وهنا فالتفكير الهيجلي ينظر إلى الشرق باعتباره «منجم الروح»، وميدان «التجليات المسيحية»، إنه «الناصرة، وبيت لحم أرض العذراء والمقدسية».
إن الشرق منظور إليه لدى هيجل ليس إلا الروح التي تفتقدها أوروبا المادية، ولأنه يعلم أن مراحل الإدراك تنثلم منتظمة في جدلية المادة/الروح، والمطلق/الموضوعي، النسبي/الذاتي، فكان أن أقرت فلسفته مبادئ السلب Negation المولِّدة للتناقض وأحياناً الإنكار، فعمد حينها إلى تزييىء الشرق بالسحر والميعاد، وبالأرض المفقودة، فإن اليهودية هي النتيجة الطبيعية لفلسفة المادة التي يعد هيجل أحد أعمدتها، وهنا فمطالبتها بفلسطين ليست سوى التدبير العملي لاستعادة الروح المطلق الغائب، واستعادة المقدس بمثابة وضع اللمسات الأخيرة للمشروع المادي وما يعانيه من أزمات على مستوى الوعي، فالحرب الإسرائيلية الشرسة ضد مقدسات الأمة العربية في فلسطين تعبير حي عن مقولات الهيجيلية في ضرورة تشكيل الأساس الفلسفي لأوروبا عبر اتحاد الوجود (مقولات التوراة والإنجيل) والفكر (الوعي وأسبقيته على المادة). إنه الاتصال المطلق بين الذاتي (التبرير بل والتشريع للاستعمار)، والموضوعي (هنا ولد المسيح و»صلب»)(1). (يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ، (سِفر أعمال الرسل 10: 38).
إن الوصف والقوة استغله هيجل أيما استغلال بأن برر التوسع الاستعماري لأوروبا بحثاً عن روحها المفقودة، ويصل هذا الاتجاه إلى ذروته في فلسفة هيجل حيث تصبح الدولة هي المطلق بل وتجسيداً له، وهي الإطار السياسي الذي يمكن للشعب العضوي أن يعبر عن نفسه من خلاله بأن الدولة أصبحت هي المطلق مجازياً وحرفياً وذلاً، طالب هيجل الإنسان بأن يعبد الدولة كما لو كانت إلهاً سماوياً، وهذه هي قمة الحلولية الوثنية «التي ستعبر عن نفسها بشكل سوقي من خلال النازية والصهيونية فيما بعد».
إن الصراع بين العرب واليهود هو في جوهره صراع بين الإسلام بوحدانيته والمسيحية الصهيونية بثلاثيتها المنفتحة على الأثر والتأثير، إنها المادة في أقوى صورها. يقول هيجل في مسألة الاختلاف الديني: «يختلف كل دين (عن غيره من الأديان) اختلافاً جوهرياً إذا كان مبدأه على حال تجعل ما ينتسب إلى تصور الروح  المتحقق بتوازن فيه محقِّقاً مبدأه الذاتي المعين (في كل جوانب حياة الأمة المؤمنة به). أما عندما لايبلغ تصور الروح (في أحد الأديان) إلى عمقه الحقيقي فإنه ستوجد في وجوه من حياة الشعب (المؤمن بذلك الدين)، لايكون فيها مبدأ الدين عقلياً بل هو سيتنازل أمام نزوات التحكم أو هو يتصرف بصورة من الصور تصرفاً غير حر. كذلك هو الشأن في الإسلام.
فتعصبه جعل المؤمنين به مندفعين إلى تمَلُّك العالم، إلا أنه دين عاجز عن بناء دولة متخلقة الأعضاء تكون فيها الدولة ذات وحدة عضوية فلايستطيع بناء نظام قانوني للحرية(2).
يكفي أن يقرأ اليمينُ المسيحي المتصهين هيجلَ ويردد معه نهاية التاريخ! وهم لايُخفون انتسابهم جميعاً إلى الهيجلية المحدثة. لكن اليمين المسيحي المتصهين لايكتفي بالقول بنهاية التاريخ مثله، بل يحاول إنهاءه بالقوة ليكون الشكل العمراني الذي هم عليه الغاية التي يتوقف عندها التاريخ. وبذلك يقول كل المصلحين منا سواء انتسبوا إلى الأصلانية الدينية أو إلى الأصلانية العلمانية. فانظر ما يقول هيجل حول نهاية الإسلام وحال المسلمين، وقارن الأوصاف الواردة في كلامه بالأوصاف التي تجدها في دعاية المسيحية الصيهونية(3).
ويؤسس هيجل لشتات اليهودي في وصفه لحال نبي الله إبراهيم عليه السلام، فيسميه «الوعي اليهودي الشقي « في كتابه «روح المسيحية ومصيرها». ففي هذا الكتاب يبدأ هيجل بتحليل شخصية النبي إبراهيم ويذهب إلى أنها تكشف عن ملامح طبعت من بعده كل بني إسرائيل. فإبراهيم الذي ترك قومه ومدينته الأم وراءه ظل غريباً طوال حياته. فلم يعرف مكاناً يستقر فيه  لذلك ظل هائماً متجولاً في منطقة الهلال الخصيب. لم يستطع أن ينتمي إلى أي مجتمع أو قبيلة مر بها، وكانت توجهاته نحو الناس إما التعامل معهم بحذر و»مكر» أو معاداتهم. وحتى الناس الذين لم يعادوه وحاولوا أن يكونوا أصدقاءه أو حلفاءه لم ينجح في أن يقيم معهم علاقات صداقة أو تعاون، بل ظل يعاملهم معاملة الأغراب.
نظر إبراهيم أيضاً إلى الطبيعة على أنها قوة معادية ولذلك لم يتصالح معها. فلم يأخذ قطعة من الأرض لزراعتها وظل راعياً. وحتى عندما أهدى له أحد الملوك قطعة من الأرض تركها لماشيته وغنمه ليرعوا فيها(4).

الثنائية وتغييب الجماهير
إن ما يحكم العقل السياسي هو المنطق الثنائي، ولعله أشد خطراً إذا ما تعلق بالنظر لقضايا الأمة، فصاحب المنطق الثنائي لايحقق ذاته إلا من خلال نفي الآخر (فتح/حماس)، ويمكن ممارسة النفي في المنطق ثنائي القيم، إذا ما تم تثبيته من الناحية الرياضية أو حتى العلمية، لكن إذا تعاملنا مع قضايا المنطق واللغة (الفعل ورد الفعل عبر التوصيف اللغوي) بمعيار كهذا فإن نتائجنا لا محالة ستكون خائبة بل وغير يقينية! فالثنائية المنطقية هي المقارنة بين رقمين لنسمي الأول (الأمة بحدودها وثقافاتها وأحلام بنيها) والرقم الثاني (الدولة على الأرض بصولجانها ورجالاتها وقاطراتها الحديدية، وسياساتها)، فإن المقارنة وبوضع الاختيارات الرياضية (AND, OR ,NOT)، ستطيح بالكتلة الأكبر في القضية من رأس المعادلة وهي هنا (الشعب/ الشعب العربي والفلسطيني)، فالاختيار في هذا المنطق لايمكن إلا استناداً إلى أحد الرقمين (الدولة, الوطن)، فالخلاف الفلسطيني (غزة/ رام الله) جعل القادة السياسيين ينظرون لأنفسهم، وبسبب ضيق هذه الثنائية كممثلين للجانب الآخر من المعادلة أي أنهم هم (الوطن، رغم أن فلسطين ليست بقعة جغرافية!)، ولو لم يكلفهم أحد بذلك، ولكنهم وَوِفق هذه الرؤية سيجعلون من حربهم على الدولة المفترضة تطال حتى مقدرات من يمثلونهم (بحسب اعتقادهم).
إن تعريف الدولة لغوياً من «دال يدول دولة، وهذا يفيد التناوب»، ولعلنا نرى أن الصراع الحزبي في فلسطين، ورغم أنه خلاف بين منهجين في التفكير، فإن النتيجة هي «الممانعة»، ولكنها ممانعة ممتنعة عن تحريك النظر في مواقعها وكيف ستتأثر بسبب اللاعملية التي تمارسها على جموع من تدعي أنها تمثل أحلامهم وأمانيهم، وذلك بحسب الثيمات المعهودة فيمن يعارض سلطة دولة (سعياً نحو إقرار ديمقراطية!)، ولكن حقيقة الفعل السياسي الذي يغيِّب الجماهير عجزه عن إقامة دليل يقابل ويساوي دليل المخالف له، أو بتعريف الأصوليين «إقامة الدليل علي خلاف ما أقام الدليل عليه الخصم».
إن من مظاهر عيوب الثنائية السياسية في عالمنا العربي هي تلك القسمة بين معارض وحكومي، يميني ويساري، تقدمي ورجعي، أي بصورة أجلى (حكومة ِAND معارضة) (حكومة NOT معارضة، وهذه تمتنع)، فالأولى توجه كل همها لإثبات لا أحقية الثانية، والثانية تسعى حثيثاً لإفشال نتائج الأولى، وهنا يتم تغييب مقولة أثيرة للاثنين معاً وهي (جماهير شعبنا!)، وهنا فلابد أن ينشأ اختيار ثالث وهو (حكومة – شعب - معارضة) (فتح + شعب + حماس/ شعب = حماس – فتح)، وحاجتنا إلى تثبيت منطق ثلاثي القيم ماسة، فلِرام الله منطقها، ولغزة منطقها، وللشعب منطقه أيضاً، وإن كانت الأخيرة تنتج فعلها أسيراً. نود القول إن يصبح الشعب هو الفاصلة الرياضية التي لايمكن إلغاؤها لِما ستسببه من انهيار العملية الحسابية بأكملها، بل إن ضرورة وجودها حتمية، فالخلاف لن يتحرك وفق فضائه الخاص ولن يتخطى الشعب في خياراته، ولن يناكف العقل السياسي دون أن يضع في الاعتبار صدق استناده على الشعب، وبتخطي هذه العملية فإن التقابل حماسي/عباسي، سيهتدي في سيره خيراً كان أم شراً بالوعي الجمعي للشعب، وفي حق الاعتراض لن تصبح الحكومة مقابلاً موضوعياً كلياً للوطن (السواد الأعظم من أبناء البلد).

ضد الثنائية السياسية
عباسي / حماسي
بالحتم لايمكن الإقرار بأن ما يوجد على الساحة الفلسطينية من طاقات سياسية، أحزاب، تجمعات، تكتلات، تجد نصيبها من القبول الشعبي الكامل، فعدد كبير من أبناء فلسطين لايقفون بعزم عند الديمقراطية أو الثيوقراطية، ولايهمهم إنْ كانت شعارات الكيان السياسي توصف يميناً أو يساراً، بل أن طريقاً ثالثاً يسلكه كثيرون، وسبب نشوء تيار ثالث وهو تيار فردي أنتجته قوانين العولمة، أن الكل يسعى لتحقيق نفعه الخاص، ولأن العقل السياسي في عالمنا المعاصر تتفشى فيه أوهام السيطرة على العقول، فإنه يظل أسيراً لأوهام قديمة وهي «تمثيل الشعب»، تُرى أي شعب دون تحرير الأرض!؟ وبسبب الخلاف ستضيع قيمة «الوطنية»، وسنساهم بشكل أكبر في التفريق بين أبناء القضية على أساس الدين والأيديولوجيا.
إن الصراع بين طرفي الحكم الافتراضي في فلسطين، سيحقق مقولة هيجل في أن نصبح أمة بلا تاريخ، وبخلافاتنا الداخلية ستتشقق الوطنية، وقوميتنا لا محالة صائرة إلى مأساة كبرى، وسيردد الشعب حينها مع درويش (لا شيء يعجبني!).

هوامش
1. من الضرورة التنبيه إلى أن الفلسفة الهيجلية يتحدد مصدرها من المسيحية، وهي المسيحية الألمانية «مسيح الروح»، للنظر أكثر راجع مؤلفات هيجل، الشرق - العقل في التاريخ (محاضرات في فلسفة التاريخ)، لتقف على صحة فرضيات هذه الدراسة/ المقال.
2. أنظر هيجل:
« G.W.F. Hegel, Vorlesungen ueber die Philosophie der Weltgeschichte, G.Lasson, PB, Leipzig Verlag von Felix Meiner, 1920, s.112:« Die Religion unterscheidet sich danach wesentlich, ob ihr Prinzip so ist, dass alles, was zum Begriff des Geistes gehoert, im religioesen Prinzip ausgeglichen ist, sein eigenes bestimmtes Prinzip erlangt hat. Wird der Geist nicht in seiner wahrhaften Tiefe gefasst, so gibt es, wie erwaehnt, Seiten im Leben eines Volkes, wo es unvernuenftig, seiner Willkuer preisgegeben ist oder auf irgend eine Weise sich unfrei verhaelt....So auch bei der Mohammedanischen Religion. Der Fanatismus derselben hat ihre Bekenner getrieben, die Welt zu erobern, ist aber dazu unfaehig, dass ein Staat sich zu einem gegliederten, organischen Statsleben, einer gesetzlichen Ordnung fuer die Freiheit bilde».
3. راجع: أبو يعرب المرزوقي، دروس في الفلسفة، 2001.
4. هيجل: علم ظهور العقل، ص 158.
 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb