العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

كفى بالمرء إثماً أن يضَيِّع مَن يعوْل

أحمد محمد يوســف

هذا العنوان حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ينص على تأثيم الرجل إذا ضيَّع مَن تحته ممن تلزمه نفقتهم وتربيتهم والعناية بهم. وهو يشمل الذرية الصغار ومن في حكمهم من الضعاف كالزوجة وغيرها، كما يشمل الوالدين الكبيرين ومن في حكمهما إذا كانا تحت ولد شاب مقتدر. والذي يعنينا هنا بالدرجة الأولى، ذلك الأب المضياع المتلاف، الذي يسيء إلى مَن وكَّله الله عليهم لحفظهم والعناية بهم، فإذا بهم يخضعون لطائلة الضياع والإهمال والتشرد والتسول، والذِّلَّة والمهانة، وإذا بهم يكونون عبئاً على عجلة المجتمع وعالة عليه، قد انحرفوا في أخلاقهم وسلوكهم وباعوا شرفهم بثمن زهيد، أو أدمنوا المخدرات، أو احترفوا الإجرام كالسرقة والسَّطو أو قطع الطريق.
وغالباً ما يكون أمثال هؤلاء الآباء المقصِّرين ثمرة آباء لهم أهملوهم ولم يُحسنوا تربيتهم، وهكذا سيكون الأولاد وأولاد الأولاد، في حال وضيع أرَّثه لهم الأجداد المفرِّطون. من هنا يمكن أن نعرف سبب كون المرء – أحياناً – سليل مجد وعز وشرف، وآخر منحدراً من بيت لا سقف له ولا عماد! إلا إذا تداركته رحمة الله الذي يُخرج الحي من الميت، وذلك أمر لايعوَّل عليه في القياس والحساب العام، إذِ الله تعالى هو مِن وراء الأسباب، بل هو مسبب الأسباب والعواقب جميعاً.
وبنظرة – حتى عشوائية – في أرض أي مجتمع عربي تجد في قسمات الأطفال وملامحهم وتصرفاتهم بوادر أو بذوراً لأنماط سلوكية خطيرة على مستقبلهم ومحيطهم المجتمعي، فتجد عند بعضهم ألفاظاً بذيئة لاتناسب سنهم، وواضح أنهم اكتسبوها من مجتمع البيت الذي يعيشون فيه، وتجد أحياناً شقاوة بالغة تنذر بالإجرام في المستقبل، أو تجد ذكاء مقترناً برسوب دراسي وتغَيُّب عن المدرسة، وتجد أحياناً قذارة في البدن والثياب لا مبرر لها مهما كان الفقر مستحكِماً! وتجد أحياناً سرقة طفولية بين الأقران، وتجد أحياناً طفلاً مدخناً أو يماشي مَن هم أكبر منه سناً من المنحرفين، ويُمضي معهم يومه دون أن يتواجد في بيته أو يأكل فيه وجبة حتى يعود إليه آخر الليل!
هذه الظواهر المزعجة غير مقبولة أبداً في زمن توافرت فيه – على عِلاَّته – أدوات العلم والتحضر والاتصال والتلَقِّي والمواقع والمؤسسات التربوية والتعليمية، ومع ذلك تجد بعض الآباء غارقاً في بحار من الجهل، لم يفطن بعدُ أن له دوراً خطيراً في بناء مجتمعه ومحيطه، وأن تربية الإنسان الحر المتعلم هي من أُولى الواجبات عليه. ومهما سبرنا غور هذه المشكلة إنشائياً فلابد من التشخيص الهادىء وبيان الأسباب المؤدية إليها، وهي:
1) الجهل ورداءة الثقافة والتحصيل للأب، الأمر الذي يجعله لايدرك ولايقيِّم خطأه، أو لايدرك واجبه نحو أولاده، فهو إما أنْ يطور نفسه ثقافياً وإما أنْ تحل الأم محله في هذه الشؤون، وهنا أمر هام وهو أن هذه الواجبات العائلية لايُشترَط في فهمها أن ينال الأب شهادة علمية فيها، لأنها فطرية تُفهم بالفطرة وبهداية الله للمرء، فكم من آباء ذوي شهامة وشيمة قاموا بواجباتهم نحو أزواجهم وعيالهم خير قيام وهم من العوام، وعليه فإن الأب المتعلم والعامِّي عليهما أن يجتهدا في أسباب الهداية والقربى من الله تعالى لقوله تعالى «واتَّقوا الله ويُعَلِّمُكمُ الله».
2) الانشغال بالرزق مما يجعل إهمالهم في ظنه مبرَّراً، ويعتبر نفسه معذوراً ما دام في خدمتهم. ولابد أن تنتبه الأم إلى هذه المشكلة، فتضاعف من جهدها وتكثف من حضورها مع الأبناء، وأنْ تساهم في حلٍّ أنجع مع زوجها، كالتفكير في أخْذ إجازات للتفرغ للأبناء أو السفر معهم، لكن يجب التفريق هنا بين الأب الكادح الصادق وبين الأب المتذرع بالوظيفة المتهرب من المسؤولية، هذا الأب الذي يسميه البعض – والعياذ بالله – عبْدَ الوظيفة. عليه إذن أن يرفع نفسه ودرجة تفكيره ليعرف أن السعادة الحقيقية ليست في الانهماك الوظيفي المفتعل، بل السعادة في رِفقة فَلَذَات الأكباد، فإنهم ببراءتهم لايرون نعمةً ورزقاً أفضل لهم في الدنيا من حنان أمهم وأبيهم، لا هذه الأموال التي لايفقهون لها معنى.
3) البخل، وهو من أضرِّ مساوىء الأزواج على الزوجات والذرية، وهي صفة لاتليق إلا بالجبناء وضعفاء النفوس المتشككين في القضاء والقدر. والبخل رذيلة تجعل صاحبها عبداً للدينار والدرهم، كذاك الذي عَبَدَ الوظيفة أو القطيفة. ويكفي البخيلَ مذَمَّة قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما صحَّ عنه (تَعِسَ عبدُ الدينار، تَعِسَ عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبدُ القطيفة، تَعِسَ وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انْتَقَش)، والقطيفة قطعة الصوف الفاخرة. إنه دعاء عليه بالتعاسة والانتكاسة، وإذا تضرر فلن يجد لا معيناً ولا ظهيراً. وبخل الزوج على زوجته وبنيه دليل حبه للمال أكثر منهم! وهذا ابتلاء في تجمُّد الإحساس وتبَلُّد المشاعر. وما أزكى تلك النفوس العظيمة التي سخَّرَت ما تملك من مال ومتاع وطاقة لخدمة الناس حباً وكرامة فيهم. وما أتعس الأخرى التي ضنَّت بالمال كما قال تعالى «وأعطى قليلاً وأَكْدَى» فصار في صلابةٍ كصلابة الكُدْيَة، وهي الصخرة العظيمة الصَّمَّاء!
4) إعلان الخلافات باستمرار أمام الأطفال، الذين يرون في والديهم خير قدوة في الأرض، فإذا بهم يصابون بالإحباط وهم يرون أنفسهم في غير وئام، ولايجدون مَن يلتفت إلى طلباتهم، لا ولا حتى مَن يبادلهم النظرات والابتسامات. إن الخلاف يَرِدُ بين الأزواج ولكن ينبغي أن يكون عالم الطفولة البريء في منأىً وبعيداً عن هذه المهاترات، فما بالك إذا راح كل من الأبوين يعرض بلواه وشكواه على العيال ليثبت لهم أنه على الحق! عندها يختلط الأمر على الذرية الضعاف حتى تنهار ثقتهم، ولايعود البيت لهم مسكناً آمناً، ولا قلبُ الوالدين لهم مصدر رحمة وتعليم وإلهام.
5) القسوة والضرب والظلم، الذي يمارسه الأب أو الأم أو كلاهما على أولادهما، إما بشكل دائم لوجود مشكلة في شخصية أحد الوالدين، وإما بشكل متقطع لكنه عنيف، حتى لايعود الوالدان محل ثقة واطمئنان لأبنائهما، ويفتقد الأمان المرجو فيهما، فيتجهون لمصدر آخر غيرهما يستَدِرُّون منه الرحمة والحنان. في ظل العنف الأُسَرِي هذا يتحطم كبرياء الطفل ويصاب بفصام في الشخصية خطير يدمِّر مستقبله بالكامل، ويجعله في النهاية عضواً زائداً في بنية المجتمع، لا فائدة ترجى منه، ولا أمل يرتجى فيه. إن ضرْبَ الأب لابنه أمام ضيوفه أو في قارعة الطريق يدل على سفاهة بالغة في هذا الأب، ويزيد الطين بلَّة أنْ تسير الأم على نفس ضلال الأب، فلايجد الطفل أي مَهْرَب من قساوة الأب وحماقته إلا براثن الأم وظلمها، فإلى أين يتجه؟ إنه في حسابه مصاب جلل!
إن هذه القساوة تجعل الطفل في إحباط وعجب، فهو دائم السؤال وكثير الحيرة بشأن ما يصادفه من أمور تربكه، بل قد يشعر بألم أو مرض فيجد من يحاول إغواءه بأساليب يفتقدها في والديه، فإلى من يشتكي في ظل الإرهاب الذي يحيط به؟ ومَن له حينئذ إذا أوصد والداه الباب في وجهه؟ أو أصبح جباناً يخشى إنْ رجع إليهما أن يجد منهما ما لاتُحمد عقباه؟ إن والدين بهذه المواصفات لايصلحان البتة لشيء من شؤون التربية والحضانة والتنشئة.
6) وأخيراً، فإن مما يدمر شخصية الولد أنْ يفتقد القدوة الصالحة والسلوك المستقيم في أبيه الذي يجنح إلى الغِش وسوء الألفاظ والفظاظة وسوء معاملة الجار وعدم الصلاة أو عدم التديُّن، الأمر الذي يجعل تنشئته خطيرة، وذات ملامح لاتبشر بخير في المستقبل القريب.
أخيراً: كم يجني الآباء بسوء تربيتهم لأولادهم من جنايات شديدة الضرر عليهم وعلى أبنائهم وأوطانهم؟ وماذا عليهم لو أحسنوا رعايتهم واتقَوا فيهم ربَّهم؟ لو أنهم فعلوا ذلك لَحَمِدَ الناس عملهم, ولَشَكَرَ الله صنيعهم، ولَضَاعَفَ لهم أجرهم وثوابهم.

إعلانات

Developed By: Frecsoweb