العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

كيف حمى الله الأنظمة العربية من فضيحة جديدة بـ«جلاجل»؟

خطايا وآثام أنظمتنا العربية كثيرة مما تسبب في جعْلِنا (طوفة هبيطة)، وصرنا ضعفاء أمام عدونا الأول إسرائيل، ومحتقَرين أمام أوروبا، ولولا أن الله حمى هذه الأنظمة من فضيحة جديدة بـ(جلاجل) كادت تضيف إلى رصيدها السابق من الهوان ما يزيد في ميزان سيئاتها سيئة أخرى، لكانت ثمة كارثة حقيقية.
وأنْ يوافق الأوروبيون على مشروع كهذا بكل خزيه وآثامه فلا غرابة في ذلك، لأن بريطانيا هي صاحبة وعد بلفور المشؤوم وزرْع كيان إسرائيل في خاصرة أمتنا، وفرنسا هي التي ساعدت العدو الإسرائيلي لصنع مئات الرؤوس النووية لتكون أداة رعب وإخافة لأمتنا العربية والإسلامية، وباركته الولايات المتحدة الأمريكية ودعمته بأحدث الأسلحة. كل ذلك أمر واقع ولا أحد من العرب والمسلمين يستنكر عليهم ذلك.
أما أنْ تشاركهم دول عربية ورموز عربية فهذا هو المستنكر، وما يحرق أكبادنا أن تأتينا الطعنة من قبل طرف عربي مسؤول عن رعاية القدس والدفاع عنه. هنا تكمن المصيبة وتقع الكارثة، هذا ما حدث في مشروع (علاء الدين) الذي أطلقته فرنسا مؤخراً بدعم من ألمانيا، من خلال منظمة اليونسكو تحت عنوان مشروع (علاء الدين) بهدف توعية العرب بتاريخ المحرقة النازية.
ولولا أن هناك مثقفين ومفكرين إسلاميين وعرب يمثلون شرف هذه الأمة، لتمكنت اليونسكو (المشبوهة) بدعم من فرنسا وأخواتها وأذيالهم من الأنظمة العربية في تسويق هذا المشروع العفن، وتم تدريس هذه الأكذوبة التي تستغلها الصهيونية لدر عطف العالم عليها  في مناهجنا التعليمية.
والأطرف من كل الأمور أنه تمت مناقشة المشروع في الحفل الذي أقامته مؤسسة إحياء محرقة اليهود في 27 مارس 2009 تحت رعاية الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك والأمير الحسن بن طلال الرئيس الأسبق لمنتدى الفكر العربي، ولم يتم تسويقه إلا مؤخراً، ولولا أن الشرفاء من المفكرين والكتاب العرب والإسلاميين تمكنوا من إجهاض هذا المشروع ودفنه منذ الأيام الأولى لانطلاقه، لصرنا دعاة ومبشرين بامتياز لمشروع صهيوني.
فقد قال أحد الصحفيين العرب عنه (كلنا نعرف قصة علاء الدين مع مصباحه والمارد الذي يحقق طلباته، وها هو الغرب يريد أن يقول للعرب إن مباركتكم لمشروع علاء الدين بمثابة امتلاككم لمصباحه الذي يحقق للعرب ما يريدونه من الغرب). فالمشروع ظاهره إنساني وباطنه فتح مجال للتطبيع مع إسرائيل، وخير من دحض أكاذيب اليهود خصوصاً في الندوة التي أقامتها المكتبة الوطنية بالمغرب.. هذه الدولة العربية التي كان الأجدر بها أن ترفض أقامتها فيها باعتبارها تسويقاً فرنسياً لرغبة صهيونية، فقد قال الكاتب العربي إدمون عمران المالح خلال هذه الندوة ما أقض مضجع المشاركين فيها من سفراء إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وعدد من المفكرين والكُتَّاب الأجانب، من بينهم مدير المعهد الفرنسي بالمغرب والكاتب أندري أزولي، الذي شرح دواعي تأسيس مشروع علاء الدين، مستنكراً تداول كتاب (حكماء صهيون) و(الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) للمفكر الفرنسي رجاء جارودي.
ومن فضائح أمتنا العربية أن أزولي هذا ركز على أهمية رمزية عقد الندوة في المكتبة الوطنية المغربية في دولة عربية، وما تحمله من دلالات لحفظ ذاكرة محرقة (الهولوكوست)، مشدداً على ضرورة تدريسها في الجامعات والمؤسسات التعليمية العربية.
لقد هاجم الكاتب العربي إدمون المالح بشدة في الندوة التي عقدها المعهد الفرنسي بالمكتبة الوطنية المغربية بالرباط التي أقيمت يوم الثاني من فبراير الماضي، هاجم الكاتب طريقة تناول محرقة اليهود في ألمانيا أيام هتلر، وطريقة توظيفها لأهداف سياسية، مما أثار جدلاً داخل القاعة كما يقول أحد التقارير.
والطريف أنك من خلال دخولك على (جوجل) تجد إن الصفحات التي تتحدث عن هذه الندوة التي عُقِدت في الرباط قد ألغيت، وتم محو تفاصيلها تماماً لإدراكهم بأنها فضيحة للمغرب!
ومن بين المفكرين الإسلاميين الذين تصدوا للمشروع كان د. عبدالحليم عويس، الذي نورد جانباً كبيراً من حديثه لتوضيح صورة المزاعم الكاذبة التي يدعيها الإسرائيليون في اتهامهم للعرب بالتعامل مع النازيين، ودور الفلسطينيين في المشاركة مع هتلر في حرق اليهود، وهو كذب وافتراء واعتماد على مزاعم وادعاءات لا صحة لها.
يقول هذا المفكر الإسلامي: «يفسر المشروع الذي تتبناه اليونسكو أسباب سقوط المرشح المصري فاروق حسني لتوَلِّي منصب مدير عام المنظمة الدولية، وتأييد الإسرائيليين بالخارج لإيرينا بركوفا البلغارية مقابل تبَنِّي الحملات التي يريدون تنفيذها تحت مظلة المنظمة الدولية بدون انحياز لأحد أو لمصالح شخصية، وتثبت تلك الحملات في الوقت نفسه الرغبة الإسرائيلية الشديدة لترسيخ مبدأ الحق بدعوى يُسَوِّقونها في استيطان الأراضي الفلسطينية، من ادعاء رد الحق عبر منشورات يوزعها وزير خارجية الكيان الصهيوني ليبرمان المعروف بعدائه لكل ما يتعلق بالعرب، على وزارات الخارجية الغربية تشتمل على صورة تجمع بين المناضل الفلسطيني أمين الحسيني والزعيم الألماني هتلر، وينسجون حولها قصصاً خيالية ليصلوا إلى نتيجة مفادها إن الفلسطينيين شاركوا في إبادة اليهود مع هتلر في الحرب العالمية الثانية، وأن اليهود لديهم الحق في الاستيطان بفلسطين كنوع من التعويض عن تلك المذبحة التاريخية، وفق ما يقولون».
ويضيف: «إن ما تقوم به وزارة الخارجية الفرنسية في مراكزها الثقافية بالدول العربية بتأكيد ما يزعمه الإسرائيليون ليؤثروا على فكر الأجيال القادمة لكسب تعاطفهم وتجاهل القضية الفلسطينية، مما يخلق روحاً من الانهزامية، ويعكس في الوقت ذاته مؤشراً قوياً على عدم جدية المعاهدات والمفاوضات التي طالت منذ بداية الاحتلال ثم بوعد بلفور وحتى يومنا هذا، ويجب علينا التحرك الفوري والعاجل لمحاولة إنقاذ عقول أبنائنا من تلك الهجمة المضللة والمخطط لها بعناية».
أما المفكر الإسلامي د. صفوت حجازي فقد ركز على خطورة هذا المشروع، حسب ما ذكره التقرير نفسه، فقد قال: «للأسف يتآمر العالم ضد كل ما يمت للإسلام بصلة، وإن المجتمع الدولي يسير وفق مبادىء الانحياز الأعمى لأفكار وسياسات خاصة، مما أفقده المصداقية، وعلى الهيئات المدنية بدلاً من انشغالها بقضايا المرأة والرجل والموضوعات الهامشية الأخرى، أن تسعى لكسب ثقة المجتمع بأن تشغل نفسها بقضايا الأمة للمحافظة على الهوية، بتوثيق الجرائم الإسرائيلية منذ الاحتلال الفلسطيني عام 1948».
وفي تقرير آخر كتبه هادي محمد من باريس، كشف أن المؤرخ الفرنسي جلبار أشكار قد أنصف العرب حين حذر المؤرخين الإسرائيليين من توريط المسلمين من خلال ادعاءاتهم بمسؤولية العرب عما يسمى بالمحرقة النازية التي نالت يهود أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، في إطار محاولاتهم إيجاد مبرر تاريخي لاحتلال فلسطين.
ويقول كاتب التقرير: «في ندوة عقدت بباريس الأربعاء 10 فبراير 2010 بمناسبة صدور كتابه (العرب والمحرقة) الذي يدحض فيه الادعاءات الإسرائيلية، قال أشكار: إن هذه المساعي من باحثين فرنسيين وألمان تنطلق من لقاء مفتي القدس وعموم فلسطين آنذاك الحاج أمين الحسيني مع الزعيم النازي أدولف هتلر عام 1941».
هكذا نجد أن المفكرين العرب والإسلاميين ومعهم بعض شرفاء الكُتَّاب الأجانب استطاعوا أن يفضحوا المشروع قبل أن تتبناه أنظمتنا العربية، ويتسع الشرخ الحالي بينها وبين شعوبها.

إعلانات

Developed By: Frecsoweb