العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

لا تكن مثل السفنجة

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله، ناصحًا تلميذه النجيب ابن قيم الجوزية رحمه الله: «لاتجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيَتَشَرَّبها فلاينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمَتة تمر الشبهات بظاهرها ولاتستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أُشرِبت قلبَك كل شبهة تمر عليه صار مقراً للشبهات».
وروى الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أُشرِبها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلايضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربَادَّاً كالكوز مُجَخِّياً لايعرف معروفاً ولاينكر منكراً إلا ما أُشرِب من هواه). رواه مسلم.
ويقول الله تعالى: }ومن الناس مَن يعبد الله على حرف فإنْ أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسِر الدنيا والآخرة ذلك هو الخُسران المبين{. الحج: الآية 11.
إن الإسلام يتعرض كل يوم لكثير من الشبهات التي يبثها أعداؤه صباح مساء، ولقد ضرب لنا السلف أروع الأمثلة في دحض مثل هذه الشبهات وردها وعدم التأثر بها، ولعلِّي أضرب مثلاً واحداً أدلل به على كلامي هذا، وإن كانت الأمثلة لاتعد ولاتحصى.
جاء رجل إلى القاضي إياس بن معاوية المُزَني فقال له: لو أكلتُ التمر تضربني؟ قال: لا. فقال: لو شربت قِدراً من الماء تضربني؟ قال: لا. فقال: شراب التمر (النبيذ) أخلاط منها، فكيف يكون حراماً؟
قال إياس: لو رميتك بالتراب أيوجع؟ فقال: لا. قال: لو صببتُ عليك قِدراً من الماء أينكسر منك عضو؟ فقال: لا. قال: لو صنعت من الماء والتراب طوبًا فجف في الشمس فضربت به رأسك كيف يكون؟ فقال: ينكسر الرأس. قال إياس: ذاك مثل هذا.
إن أخشى ما نخشاه أن لايكون المسلم على مستوى التحديات، فتراه أذناً مصغية لكل تهمة، وليس هذا فحسب، بل الأخطر من ذلك أن يتشرب هذه الشبهة ويصدقها، وأن تستقر في قلبه وعقله، وعندها تكون المصيبة.
إن جُلَّ هذه الشبهات، إنْ لم تكن جميعها، هي شبهات يمكن دحضها وتفنيدها والقضاء عليها، ولكن الأمر يحتاج إلى إيمان عميق بدين الله، وثقة لاتتزعزع بدعوته، وعلم واسع بشرعه، هذا بالإضافة إلى فطنة وذكاء، ولو انتظر المسلم قليلاً، وأبى أن يتشرَّب الشبهة، ثم رجع إلى ربه ودينه، وسأل أهل العلم لوجد الإجابة الشافية بإذن الله.
يا هذه النفس  اعلمي
أن الأمور لها  انقضاء
والحادثـات  جَلِيُّـها
وحقيرها محض ابتلاء
والعالمون  صغيرهـم
وكبيرهم  فيها  سواء
لا تجـزعي يا نفـس
إن الله يفعل ما  يشاء

إعلانات

Developed By: Frecsoweb