منذ صغري وأنا أحب الطموح ومعالي الأمور حتى ولو كانت في أمور الدنيا, وعلى قدر حبي الشديد للناس وتمنِّي الخير لهم، أحب كذلك الخير لنفسي وأتمنى أن أكون أفضل الجميع بلا حسد.
لكن إمكاناتي القليلة نسبة إلى غيري ممن أعرفهم كبعض إخواني وأصدقائي جعلني أضغط على نفسي لأعيش عيشتهم، وأبني بيتاً مثل بيوتهم، وأقتني وزوجتي وأولادي مثلما يقتنون هم من أنواع السيارات واللوازم الأخرى.
والنتيجة أنني الآن أملك بيتاً جميلاً وسيارة فارهة وكذلك زوجتي وبعض أولادي، غير أن الديون الثقيلة والأقساط الطويلة أثقلت كاهلي، وجعلتني لا أشعر بطعم ولذة الكثير مما أملك.
والمشكلة أنني اعتدت على ما ذكرت أو إن شئت فقل إنني لا أستطيع أن أعيش إلا هكذا، لأن أهلي وأصحابي وبقية العائلة لايعرفون عني إلا هذا المستوى، ومن الصعب أن أتنازل عنه أبداً حتى وإنْ أدَّى بيَ الأمر إلى مضاعفة القروض والبحث عن دائن جديد وهلم جرَّا.
إنني الآن ومع بداية الشهر الجديد وقد فرغ معاشي تقريباً ولم ينقض ربع التزاماتي المادية، أشعر كما هو الحال أول كل شهر بشعور لايوصف من ثقل الديون وضياع المتعة الحياتية من قلبي، حتى أنني كثيراً ما أفكر في السفر بعيداً إلى أي مكان حتى أتخلص من هذا الشعور ولو لوقت قليل! لكن من يعطيني هذه الفرصة وأولادي يدرسون والدائنون ينتظرون, فماذا أفعل؟
الرد:
الذين قالوا قديماً إن الدَّين همٌّ بالليل ومذلَّةٌ بالنهار لخَّصوا كثيراً مما ذكرت عن حالتك.
وهل هناك همٌّ أشد من هم إنسان يملك ولايستمتع ويبني ولايَسعد, ويبدو أمام الناس أسعد الناس بما يلبس ويقتني وهو يريد أن يختلي بنفسه ليُخرِج دمعة مذلة مكتومة أو زفرة ألم محبوسة؟!
إن الدَّين يا عزيزي لاسيما إذا كان كثيراً وطويل الأمد مثلما ذكرت لَيفعل في النفس الأفاعيل, وحسناً فعلت أنك نفَّست عن نفسك ولو قليلاً حتى لاينفجر عقلك، فتكون قد بعت نفسك وأهلكتها بأبخس الأثمان.
وأنا الآن لست في معرض الكلام عن نقد بعض أفعالك من الإسراف والاقتراض بالربا وسعيك الدائم لتقليد غيرك، ولو لم تكن إمكاناتك تستطيع ذلك, أقول أنا لن أتحدث في هذه المثالب التي جرَّت عليك كل هذه الويلات، لأن الضرب في الميت حرام كما يقال, لكنني أستحلفك بالله أن تنفذ ما تستطيع من وصيتي حتى لاتسوء أحوالك النفسية أكثر من هذا، فيحدث لك ما لاتُحمد عقباه.
أولاً: أوقف على الفور سيل الإنفاقات وامتنع عن إهدار أي فلس إلا في ضروريات الأمور.
ثانياً: اجمع زوجتك وأولادك وأوقفهم على حالك بنفس المرارة التي تشعر بها، حتى يعيشوا معك الظرف الذي تحياه، لأن إحساس الفرد بمشاركة الأقربين له آلامه وأوجاعه يخفف عنه الكثير, ولأن أبناءك وزوجتك أحوج ما يكونون لقراءة هذه الرسالة من خلالك أنت وليس من غيرك.
ثالثاً: توقف سريعاً عن تقليد غيرك ممن وسَّع الله عليهم، لأن الله عز وجل يقول: “والله فضَّل بعضكم على بعض في الرزق”، ومن فضل الله علينا لن نستطيع اللحاق بالرزق بالغيرة والجري خلفه حتى نهلك.
رابعاً: تخلص مما ليس بك إليه حاجة ولم تأخذ من ورائه إلا كثرة الدَّين وسأم الحياة, واجعل ثمنه في قضاء دَينك.
خامساً: توقف دائماً عن القروض الربوية فما هي إلا كالماء المالح يقدَّم للظمآن فلايزيده إلا عطشاً.
سادساً: اقصد من تأْمَنه على أسرارك من أهلك الموسرين الذين تحدثت عنهم وحدثه في إقراضك ما تستطيع معه التقاط الأنفاس وجدولة الديون ولاتستح من ذلك فهذا أهون من نصائح مالية أخرى لاتطيقها.
سابعاً: امتلك من الشجاعة ما يجعلك تتفاهم مع الدائنين من غير البنوك أن يعينوك على التخلص من هذه الأزمة بجدولة ديونهم، ومساعدتك في سدادها بشكل أيسر، واستصحب معك ما تستطيعه من الصدق فهو خير معين.
أخيراً: لاتنظر إلى من هو أكثر منك رزقاً حتى لاتستقِلَّ عطاء الله عز وجل, وهذا هو السبب الحقيقي لمشكلتك، فليتك تتعلمه حتى لاتخرج من أزمتك بلا ثمن.