– ناصر البهدير
إلقاء نظرة فاحصة من وجهة نظر بعض المحللين على مظهر المد المتصاعد لأسعار السلع الاستهلاكية بالبلاد، قد لايُظهِر قراءة واحدة تبين مسارات الزيادات، ولماذا حدثت في الأصل، رغم أنه يختفي في الواقع جزء يكمل طرفي معادلة نظرية العرض والطلب، لينهي مآلات المعضلة التي طال أمدها على المستهلكين، منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى الخليقة على البسيطة. بعض الاقتصاديين في تصريحات للصحف المحلية يُلقون باللائمة على التجار بقولهم إنهم يستغلون زيادات أسعار السلع الاستهلاكية عالمياً، كذريعة لرفع أسعار كافة أنواع السلع الاستهلاكية دون استثناء، موضحين في الوقت نفسه أن هدف هؤلاء التجار يتمثل في تحقيق مكاسب سريعة على حساب المستهلكين .
قد لايكون هذا السبب كافياً لتحليل أسباب ارتفاع الأسعار، رغم أنه يحسب كواحد من جملة أسباب عدة تتيح للمتابع رصد ما تسفر عنه تلك الأسباب مجتمعة، ولكن يمكن القول بصورة عامة إن الارتفاع مرده في الغالب إلى أن أسعار السلع الأساسية تحكمها الأسعار العالمية وبلدان المنشأ، إذ إن أي طارىء يحدث على الصعيد الدولي يؤثر على منتجات السلع ويتسبب في ارتفاع في الأسعار، لأن الأسواق الغذائية العالمية تتأثر جراء ما يحدث من كوارث في العالم، وخصوصاً الكوارث الطبيعية التي تؤثر على المناخ الاقتصادي بشكل عام.
ويجب ألا ننسى كارثة اقتصاد المضاربات ومساهمته السلبية من وقت إلى آخر في تسديد ضربات موجعة إلى العالم، وخاصة على مستوى ارتفاع أسعار السلع الأساسية بدءاً من رحلة الكساد الكبير ومرورا بكساد عام 1980، وضربة النمور الآسيوية الموجعة وفقدانها للثقة لفترة طويلة في اقتصاد السوق المنضوي على مضاربات الأسهم، مخلفة أكواماً من رماد الإخفاق واهتزاز قيم النظام الرأسمالي الربوي ومثالبه الفاحشة.
مرة أخرى نقول إن من المهم إيجاد حلول لممارسات الموردين المتعلقة بزيادة أسعار السلع، في الوقت الذي تتراجع فيه أسعار كافة السلع في دول المنشأ، بالطبع فإن الزيادات طارئة في بلدان المنشأ ولاتلبث تعود إلى سابق عهدها، ولكن رغم أن تراجع الأسعار عالمياً قد يستغرق فترة زمنية ليست بالطويلة قياساً بالارتفاع المفاجيء، فإنه في ذات الوقت يبدأ فيه قدوم الواردات الجديدة بالأسعار المنخفضة، وهنا يبين جشع بعض التجار الذين يصرون على مواصلة رفع الأسعار باعتبار أن المستهلك لا علم له بما يحدث في جانب الاستيراد.
كما أن هنالك عوامل أخرى تساهم بصورة أو بأخرى في ارتفاع أسعار السلع رغم انخفاضها في الأسواق العالمية، والتي تعود إلى معدلات الاستهلاك والشراء المتزايدة والتي لم تتأثر بالأزمة الاقتصادية كما كان متوقعاً، وهو ما أعطى التجار انطباعاً بعدم انخفاض الطلب على السلع. وهذا يعود إلى ازدياد ثقافة التسوق عند الكثير من المستهلكين والتي يدخل فيها عامل جذب مهم يتمثل في العروض الترويجية المقدمة من حين لآخر، خاصة وأنها تمثل عروضاً مغرية يسيل لها لعاب المستهلك المحدود الدخل، وهي في الغالب شِراك تنصبها المؤسسات التجارية لاصطيادهم.
وهنالك عامل لايقل خطورة عما ذُكِر، ويضيف للمشهد الاقتصادي بعض القتامة ويظلله بالسواد، هو اعتقاد معظم التجار أن الأسعار ستعود إلى سابق عهدها، لذلك تتولد ظاهرة الاحتكار، حيث تخزَّن السلع لفترة حتى تحافظ على مستواها القياسي.
أما معايير العرض والطلب، فتقتضي ارتفاع الأسعار عندما ترتفع عالمياً، وتراجعها عندما تنخفض في الأسواق الدولية؛ إلا أن هذا المعيار لايأخذ وضعه الطبيعي بل يصبح الارتفاع هو السائد، ضارباً بكل القوانين الاقتصادية عرض الحائط، مما يشير إلى أن هنالك خللاً ما، في مكان ما، يحتاج إلى معالجة جذرية من جهات الاختصاص سواء في القطاع الحكومي أو منظمات المجتمع المدني مثل جمعيات حماية المستهلك.
يًُذكر أن ارتفاع الأسعار يؤدي إلى ارتفاع التضخم والذي يؤثر بدوره على اقتصاد البلاد، ولكبح جماح التضخم لابد من تدخل الدولة لضبط أسعار السلع الأساسية والحد من موجة الغلاء المتصاعدة، عبر آلية فاعلة تسندها يد القانون والمنظمات الأهلية، لتشمل كافة فئات المجتمع، وبذل المزيد من الجهود المشتركة كل في دائرة اختصاصه ومسؤولياته، باعتبار أن السوق البحريني صغير مقارنة بدول المنطقة، مما يسهل من عملية تشديد الرقابة والتدقيق الميداني ووضع الخطط الاقتصادية الكفيلة بإعادة الأسعار إلى نصابها.