العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

هل تستطيع المصارف أن تلجم خيول الصعوبات؟

الديون السيادية وبطاقات الائتمان تحديات تواجه صناعة التمويل الإسلامي
– ناصر البهدير
90-34.jpg

أوضاع صناعة التمويل الإسلامي جديرة بالتأمل على مستوى العلاقة بين التحديات والواقع وعلاقتهما بالأزمات الاقتصادية، وقد يطرح مثل هذا الوضع سؤالاً محوريا‏ً هو: هل تستطيع المصارف الإسلامية أن تلجم خيول الصعوبات والعقبات التي تعترض طريقها، أم أن في وسع نخبة من الاقتصاديين الإسلاميين والفقهاء أن يبدعوا نظريات اقتصادية تنتشل صناعة المال الإسلامي من الجدل ومماحكات الواقع وصروفه؟
مراراً وتكراراً نقول، لقد انتقلت صناعة التمويل الإسلامي إلى آفاق أرحب من النمو الكبير، إلا أنها تواجه الكثير من التحديات، والتي تتنوع بين تحديات تتعلق بتشريع المنتجات الإسلامية وأخرى تتعلق ببعض المشاكل التمويلية والتي تحد من قدرتها على التوسع الرأسي وتزيد من مخاطر الاستثمار فيه، وهو من أكثر التحديات صعوبة.
في مملكة البحرين يعمل البنك المركزي على تطوير قاعدة صلبة للاستثمار في هذا المجال، مما سيجعل من البحرين مرجعاً للتمويل الإسلامي في مختلف جوانبه. وقد سعت البحرين إلى تبَنِّي هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، التي تضطلع بمهمة وضع معايير المحاسبة والمراجعة المتعلقة بالمؤسسات المالية الإسلامية، كما تقدم الهيئة عدداً من البرامج المهنية لتأهيل المراجعين القانونيين في هذا المجال، إضافة إلى تبَنِّيها إنشاء السوق المالية الإسلامية الدولية المنوط بها هي الأخرى عملية تطوير العقود المالية وجعلها موحدة لتسهيل عملية تداولها من خلال الأسواق الثانوية.
كل ذلك يواجه عقبات من نواح عديدة، ويكاد أن يقف حجر عثرة في طريق التطوير والتطبيق والانتقال إلى اقتصاد سلعي حقيقي، خاصة في ظل الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالكثير من اقتصاديات العالم، وكبَّلتها بخسائر فادحة، والمصارف الإسلامية بالبحرين ليس استثناء من ذلك، فهي تخوض مخاضاً عسيراً للمعافاة من أعراض هذه الكبوة، وبالأحرى هي تواجه صعوبات وتحديات في صناعة التمويل الإسلامي منذ نشأتها.
هذه التحديات أجملها الخبير الاقتصادي في القضايا الإسلامية عبداللطيف عبدالرحيم جناحي ورئيس مجلس إدارة شركة الصفوة الدولية للاستشارات، في العديد من المحاور قائلا عنها في بدء حديثه: «أعتقد أن البنوك الإسلامية استطاعت أن تتخطى عبر تاريخها الطويل العديد من الصعوبات والتحديات خاصة خلال عام 1980.. عام الكساد الذي خيم شبحه على العالم، فلقد تضررت حينها الكثير من البنوك التقليدية في تلك الفترة عدا البنوك الإسلامية التي لم يلحقها إي ضرر يستحق الذكر مقارنة بما حدث للتقليدية، وهو الكساد الثاني من نوعه بعد الكساد الكبير الذي ضرب الاقتصاد الأمريكي بقسوة في أكتوبر عام ‏1929، ومنه تداعى إلى العالم محدِثا أكبر كساد واجهه العالم».
وأضاف جناحي بأن من المهم كيف تتوقع وتعالج العديد من التحديات التي تواجه صناعة التمويل الاسلامي، وأهمها على الإطلاق كيف تستطيع خلق التوازن بين الدخل والمنصرف، وهذا دائما ما يشكل مشكلة في فترات الكساد ويُحدِث خللاً في عملية التوازن بين الدخل والمنصرف، وهنالك عوامل أخرى مهمة وهى كيفية خلق التوازن بين الموجودات والمطلوبات، وهذا التوازن بين آجال استحقاق المطلوبات ودرجة سيولة الموجودات هو ما يدعى بقاعدة الحد الأدنى للتوازن المالي، وهذا هو المطلوب تحقيقه. وإذا نظرنا للمصارف الإسلامية في العالم الإسلامي والعالم ككل سنجدها قد تمكنت من السيطرة على هذه المشكلة ومعالجتها.
وتابع قوله: «ما أود أن أضيفه من التحديات هو كيف نُفَعِّل دورنا، ولقد لاحظت أن هناك خطأ نقع فيه دائماً يتجلى في نظرتنا الضيقة النطاق إلى الربحية فقط، دون أن ننظر إلى أبعاد التنمية والاقتصاد الحقيقي. وقد وقعت مثل هذه الأشياء في دولة خليجية يتجه اقتصادها إلى الترفيه والتسويق وهما مصدران لايُعتمَد عليهما كثيراً، لذا يجب أن نعيد النظر في توظيف الأصول في اقتصاد حقيقي. وبالطبع فإن هدف المال في الإسلام هو استخدامه في إعمار الكون ليس إلا، وهذه معضلة يجب أن نهتم بها الآن ونكثف فيها العمل بصورة جادة بدلاً من التوجه إلى الحلول غير الجذرية لمعالجة اقتصادنا».
وأردف: «في الواقع هناك مشكلتان تهددان النشاط المصرفي الإسلامي، أولاهما انفجار الديون السيادية والتي - من المتوقع - إذا لم تتدارك الدول حل معضلاتها عاجلاً بأن تتوجه المصارف إلى السوق الحقيقي، ستصاب بوعكة طويلة الأجل، لأنه في الآونة الأخيرة تمادت الكثير من الصناديق السيادية في مزيد من الاقتراض، وفي الوقت عينه تعجز عن الوفاء بالتزامات السداد، لذا تواجه هذه القروض عقبتين هما عدم توجيه القروض إلى الاقتصاد الحقيقي، ووضعها في مدى سداد طويل الأجل رغم عدم توظيفها في الاقتصاد الحقيقي. وثانيتهما مشكلة انفجار ديون بطاقات الائتمان والتي قد تكون خير مثال للانفجار، وهنا يجب ترشيد سلوك الأفراد وتطويعه حتى لايكون هنالك تمادٍ في هذه العملية. لا أقول أنْ نوقفها بالمرة بل يجب ترشيد الإنفاق من قِبَل مستهلكيها، وهذه مسائل أشير إليها قبل وقوعها لأنها لا محالة قادمة مهما تكن هناك من ضوابط إجرائية للحد منها، ولا أقول شيئا خلاف ذلك بل يجب أن تتضافر الجهود من أجل وقْف مثل هذه الإجراءات غير الراشدة».
وعلى الصعيد نفسه، حذر تقرير اقتصادي دولي صادر عن بنك (أوف أميركا ميريل لينش) العالمي في الأسبوع الأخير من فبراير الماضي من أن القطاع المصرفي في مملكة البحرين مايزال يشكل عامل خطر نتيجة الأزمة المالية العالمية، خصوصا وأن البحرين تعتبر المركز المالي والمصرفي في المنطقة، موضحاً أن النمو تباطأ في البحرين إلى 1.8%، بعد أنْ كان 6%، متوقعاً ألا ينمو الناتج المحلي الإجمالي بسرعة فيها في المدى القريب.
وذكر التقرير أن البحرين تعتبر إحدى الدول الخمس الرئيسية التي تصدر صكوكا إسلامية والتي بلغت في الربع الأخير من العام الماضي نحو 9.6 مليارات دولار ليرتفع مجموع ما أصدرته إلى 31 مليار دولار.
وبين التقرير أن البحرين حققت خطوة إلى الأمام في إعادة جدولة الديون في دبي؛ إلا أن تدهور الأصول في المنطقة نتيجة الأزمة المالية العالمية سيكون له آثار سلبية على المملكة رغم استفادتها من المشكلات المالية التي عانت منها دبي.
وقد تراجعت أصول نحو 400 مصرف ومؤسسة مالية تعمل في البحرين إلى 220 مليار دولار في نوفمبر الماضي بعد أن كانت 270 مليار دولار في يونيو الماضي.

إعلانات

Developed By: Frecsoweb