تُفهمُ الديمقراطية عادةً علَى أنها تَعني الديمقراطية الليبرالية، وهي شكل من أشكال الحكم السياسي قائمٌ بالإجمال علَى التداول السلمي للسلطة وحكم الأكثرية وحماية حقوق الأقليات والأفراد. وتحت هذا النظام أو درجةٍ من درجاتهِ يعيش في بداية القرن الحادي والعشرين ما يزيد عن نصف سكان الأرض في أوروبا والأمريكتين والهند وأنحاء أخرَى. ويعيش معظمُ الباقي تحت أنظمةٍ تستخدم نَوعاً آخر من الديمقراطية (كالصين التي يقوم نظامها على الديمقراطية الاشتراكية). ويمكن استخدام مصطلح الديمقراطية بمعنى ضيق لوصف نظام الحكم في دولة ديمقراطيةٍ، أو بمعنى أوسع لوصف مجتمع حر. والديمقراطية بهذا المعنَى الأوسع نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ككل على شكل أخلاقيات اجتماعية، ويشير إلى ثقافةٍ سياسية وأخلاقية وقانونية معينة تتجلى فيها مفاهيم الديمقراطية الأساسية.
اشتقاق الكلمَة
أمّا لغوياً، فالديمقراطية كلمةٌ مركبة مِن كلمتين: الأولى مشتقة من الكلمة اليونانية Δήμος أو Demos وتعني عامة الناس، والثانية Κρατία أو kratia وتعني حكم. وبهذا تكون الديمقراطية Demoacratia تَعني لغةً «حكم الشعب» أو «حكم الشعب لِنفسهِ».
مفاهيم وقِيَم الديمقراطية
للديمقراطية رُكنان: حُكمُ الأكثريّة وحمايةُ حقوق الأقليات والأفراد، ويتجلّى كلّ ركنٍ في عدَدٍ من المفاهيم والمبادِئ سوف نبسُطها تالياً. ويندرُ أن تحوز دولةٌ أو مجتمعٌ ما علَى هذه المفاهيم كلها كاملةً غير منقوصة، بل إنّ عدَداً من هذه المفاهيم خِلافِيّ لايَلقَى إِجماعاً بَين دعاة الديمقراطية المتمرسمين.
مبادئ تحكيم حكم الأكثرية ومفاهيمه
وهي مفاهيم ومبادِئ مصممةٌ حتَّى تحافظ الأكثريّة علَى قدرتها علَى الحكم الفاعل والاستقرار والسلم الأهلي والخارجي ولمنع الأقليّات من تعطيل الدولة وشلّها، حيث تشمل المبادئ: مبدأ حكم الأكثرية، مبدأ فصل السلطات ومفهوم تجزيء الصلاحيات، مبدأ التمثيل والانتخاب، مفهوم المعارضة الوفية، مفهوم سيادة القانون، مفهوم اللامركزية، مبدأ تداول السلطات سلمياً.
بالإضافة إلى ذلك مفهوم التوازن، حيث تنبثق فكرة التوازن من أنّ مصالح الأكثريّة قد تتعَارض مع مصالح الأقليّات والأفراد بشكلٍ عام، وأنّهُ لابد من تحقيق توازن دقيق ومستدام بينهما. وتتمدَّد هذه الفكرة لتشملَ التوازن بيَن السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائِيّة، وبين المناطق والقبائِل والأعراق (ومن هنا فكرة اللامركزيَّة)، وبين السلطات الدينية والدنيوِية (ومن هنا فكرة العلمانية).
أما مفهوم الشرعية السياسية والثقافة الديمقراطية فإنه يعتمد كل أشكال الحكومات على شرعيتها السياسية، أي على مدى قبول الشعب بها، لانها من ذلك القبول لاتعدو كونها مجرد طرف في حرب أهلية، طالما أن سياساتها وقراراتها ستلقى معارضة ربما تكون مسلحة. وباستثناء من لديهم إعتراضات على مفهوم الدولة كالفوضويين والمتحررين (Libertarians) فإن معظم الناس مستعدون للقبول بحكوماتهم إذا دعت الضرورة. والفشل في تحقيق الشرعية السياسية في الدول الحديثة عادة ما يرتبط بالانفصالية والنزاعات العرقية والدينية أو بالاضطهاد وليس بالاختلافات السياسية، إلا أن ذلك لاينفي وجود أمثلة على الاختلافات السياسية كالحرب الأهلية الإسبانية وفيها انقسم الإسبان إلى معسكرين سياسيَيْن متخاصمَيْن.
تتطلب الديمقراطية وجود درجة عالية من الشرعية السياسية، لأن العملية الانتخابية الدورية تقسم السكان إلى معسكرين «خاسر» و»رابح». لذا فإن الثقافة الديمقراطية الناجحة تتضمن قبول الحزب الخاسر ومؤيديه بحكم الناخبين وسماحهم بالانتقال السلمي للسلطة وبمفهوم «المعارضة الموالية» أو «المعارضة الوفيّة». فقد يختلف المتنافسون السياسيون ولكن لابد أن يعترف كل طرف للآخر بدوره الشرعي.
ومن الناحية المثالية يشجع المجتمع التسامح والكياسة في إدارة النقاش بين المواطنين. وهذا الشكل من أشكال الشرعية السياسية ينطوي بداهةً على أن كافة الأطراف تتشارك في القيم الأساسية الشائعة. وعلى الناخبين أن يعلموا بأن الحكومة الجديدة لن تتبع سياسات قد يجدونها بغيضة، لأن القيم المشتركة ناهيك عن الديمقراطية تضمن عدم حدوث ذلك.
إن الانتخابات الحرة لوحدها ليست كافية لكي يصبح بلد ما ديمقراطياً، فثقافة المؤسسات السياسية والخدمات المدنية فيه يجب أن تتغير أيضاً، وهي نقلة ثقافية يصعب تحقيقها خاصة في الدول التي اعتادت تاريخياً أن يكون انتقال السلطة فيها عبر العنف. وهناك العديد من الأمثلة المتنوعة كفرنسا الثورية وأوغندا الحالية وإيران التي استطاعت الاستمرار على نهج الديمقراطية بصورة محدودة، حتى حدثت تغييرات ثقافية أوسع وفتحت المجال لظهور حكم الأغلبية.