(العلمانية.. منظور إسلامي) دراسة نشرتها هيئة الأعمال الفكرية عام 2003 للدكتور عبدالله حسن زروق في 58 صفحة، وتناولت الدراسة (العلمانية) من حيث أساسياتها وآثارها وموقف الإسلام منها، وتطرق الكاتب في البدء إلى تحديد أصل الكلمة ومعناها. ثم تحدث عن أسباب وظروف نشأة العلمانية وتطورها، متناولاً بالحديث هنا العلاقة التي مرت بها هذه العلاقة في الغرب.
ذكر الكاتب الأداة التي تقول بأن نشأة العلمانية كانت ردة فعل لمواقف الكنيسة وممارساتها، وكذلك الآراء التي كانت تقول بأن العلمانية نشأت كإفراز داخلي للفكر المسيحي الكنسي.
وذكر المؤلف أن العلمانية تدين باسمها ووجودها إلى جورج جاكوب هولي الذي حرص علي عدم ربط العلمانية بالإلحاد، رغم أن آخرين ربطوها بذلك.
وخلص المؤلف في فاتحة كتابه إلى أهم اتجاهات ومبادئ العلمانية ولخصها في ثلاثة:
- الاتجاه المحايد نجاه الدين.
- الاتجاه الالحادي المعادي للدين.
- الاتجاه الذي يعلمن الدين.
مبادئ العلمانية وغاياتها الأساسية
أما مبادئ العلمانية وغاياتها الأساسية فقد أوجزها في ستة مبادئ.
ويُشار إلى أن الفكر العلماني الأوروبي قد مر بمرحلتين، أولاهما مرحلة العلمانية المعتدلة، وهي مرحلة القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهى وإنْ اعتُبِر الدين فيها أمراً شخصياً لا شأن للدولة به، إلا أن على الدولة مع ذلك أن تحمي الكنيسة، وبالأخص في جباية ضرائبها. والتفكير العلماني في هذه المرحلة وإن طالب بتأكيد الفصل بين الدولة والكنيسة إلا أنه لم يسلب المسيحية كدين من كل قيمة لها. وإن كان ينكر بعض تعاليمها، ويطالب بإخضاع تعاليم المسيحية إلى العقل، وإلى مبادئ الطبيعة، مما نشأ عنه المذهب المعروف باسم مذهب (الربوبيين)، وهو مذهب يعترف بوجود الله كأصل للعالم، ولكنه ينكر الإعجاز والوحي وتدخل الله في العالم.
ومن دعاة هذه المرحلة فولتير (1694-1713م) في فرنسا، وشفتسيري (1671-1713م) في إنجلترا، وليسنج (1729-1781م) في ألمانيا، والفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632-1714م)، وهوبز (1588-1679م)، وديكارت، وبيكون، وسبينوزا، وجان جاك روسو، وأضرابهم.
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة العهد المادي أو ما يسمى بالثورة العلمانية، وهى مرحلة القرن التاسع عشر ومابعده، وعلمانية هذه المرحلة هى مرحلة إلغاء الدين - أي دين - إلغاءً كلياً وعدم الإيمان بالأمور الغيبية، وليس الفصل بينه وبينه الدولة كما هو المفهوم في المرحلة الأولى، واعتبار أن الموجود الحقيقي هو المحسوس فقط، والدافع عليها هو الاستئثار بالسلطة، ولذلك كانت العلمانية غير مساوية لمفهوم الفصل بين الكنيسة والدولة، بل كانت إلغاء للدين كمقدمة ضرورية إلى السلطة المنفردة التي هى سلطة جماعة العمل أو المجتمع أو الدولة أو الحزب حسب تحديد بعض الشيوعيين اليساريين.
ومن دعاة هذه المرحلة: هيجيل وفيرباخ وكارل ماركس وأضرابهم.
وقد تناول مؤلف (العلمانية.. منظر إسلامي) أسباب انتقال العلمانية إلى العالم العربي والإسلامي، وأوجزها في التالي:
1. ضعف وتدهور المجتمع في العالم الإسلامي.
2. الغزو الاستعماري.
3. حركة التحديث.
4. حركة التغريب.
وأورد المؤلف بعض مظاهر العلمانية في مصر باعتبارها مثالاً لمظاهرها في بقية دول العالم الإسلامي والعربي. وحدد هذه المظاهر في (التعليم، القضاء، الدستور، سيادة الدولة وسلطتها، الفنون والآداب وأساليب الحياة). كما دلف إلى الحديث عن العلمانية في تركيا بأشكالها المتعددة (العلمنة الرمزية، العلمنة الدستورية، العلمنة السياسية والعلمنة الثقافية والعلمية).
كما تطرق الكاتب إلى اتجاهات فصل الدين عن الدولة في العالم العربي والإسلامي مورداً اختلاف آراء القائلين بذلك.
وقد أورد الكاتب مجموعة من الأدلة الدالة علي أن الإسلام جاء بتشريع للسياسة ونظام للحكم، وأنه في الوقت نفسه لم يكن نظاماً ثيوقراطياً، رداً بذلك علي ما ادعاه علي عبدالرازق وغيره. كما رد المؤلف على الاتجاه العلماني الذي يعارض تطبيق الشريعة الإسلامية متسلحاً بحجج واهية، والتي قام بتفنيدها جميعاً، كما فند دواعي نشأة العلمانية والتي نشأت كردة فعل لِما قامت به الكنيسة تجاه العلماء، موضحاً أن الإسلام يحترم العلم ويحث على استعمال العقل وإعمال الفكر والنظر، وكان نتاج هذا إسهام علماء المسلمين في مجال العلوم المختلفة وإرساؤهم لقواعد منهج العلم التجريبي. وقد استفادت أوروبا في نهضتها من كل هذه العلوم وخاصة منهج البحث التجريبي عند المسلمين.
كذلك أورد المؤلف أدلة إثبات عن أثر العلوم والثقافة الإسلامية في النهضة الأوروبية الحديثة ومحتوى هذه العلوم والثقافة.
كما تطرق الكاتب في مؤلَّفه أيضاً إلى بعض النماذج لإبداعات علماء المسلمين في العلوم الرياضية ومناهج البحث والفيزياء والطب والتاريخ وعلم الاجتماع والأدب والقانون.
وفي خاتمة البحث تطرق المؤلف إلى حركة تأصيل المعرفة والتي بدأت منذ دخول الثقافات المختلفة إلى العالم الإسلامي.
وتهدف عملية التأصيل إلى تنقية وتطهير العلم من المقولات التي تعارض العقيدة والنظر العقلي السليم وتوجهه إلى ما يخدم الحياة السليمة.