الحجـاب بيـن الشكليــــة والشرعيــــة
منذ أن نزلت آيات الحجاب اتخذته الفئة المؤمنة دثارَ الشرف والعفة للمجتمع المسلم، تصون به العِرضَ، وتحمي به استقامة الأفراد، رجالاً ونساءً، بغض النظر عن كون الحجاب شأناً نسائياً، وذلك أنه إذا عفَّت المرأة عفَّ الرجل، وانسدت عنه أبواب الفتنة، وعبْرَ السنين تتطور الأزياء والألبسة – عند الشعوب – بحسب العادات والظروف الجوية والمجتمعية، إلا أن بعض هذا التطور في مجتمعاتنا يبقى موافقاً للسَّمت الأول الموافق للهدْي النبوي، وبعضه الآخر اتخذ شكل الانحراف عن الأصل.
وعليه فإننا نلحظ اليوم حالة وسطاً غريبة وسيئة تقع بين الحجاب الشرعي والسفور! فلا هي تحكي الحجاب المعتبر ولا هي تحكي السفور الصريح، والذي هو الحالة النقيضة للحجاب المشروع، فالمتحجبة بحجاب شرعي تُعتبر أنها قد حددت موقفها بوضوح في باب الستر والعفاف، وكذلك المتبرجة تعتبر واضحة الموقف، وإنْ كان موقفاً مؤسفاً، لكن الحالة الوسط المتأرجحة بينهما تُعتَبر أكثر سوءاً في رأيي الضعيف، حيث تمثل هذه الحالة الجبنَ وعدم الشجاعة أمام تيار السفور الذي قد يكون جارفاً أحياناً، فتنشأ بسببه حالة التوسط بين الحالتين أو حالة اللعب على الحبلين، باعتبار أنه حجاب وسفور في آن واحد، يسهل على صاحبته تقمُّص الحالتين كلما اقتضت الحاجة إلى إحداهما! ومع ذلك فربما وجدتُ من يخالفني الرأي، فيرى صاحبة الحجاب الوسط هي أقرب إلى الحجاب الشرعي وأهله، وإمعاناً من هؤلاء لتوكيد هذا الرأي وتصويبه وترويجه نراهم سمُّوا ذوات «الحجاب» الوسط بالمحتشمات! ولا أراهم عَنَوا شيئاً غير وصفِه بالحجاب المنفتح والمتسامح. فلاريب أنه إذا غابت عن المسلم معالم الشرع وقيمُه العظيمة ضاعت - في المقابل - بسبب ذلك مدلولات المصطلحات الفقهية والمسميات الشرعية، بين تعمُّد المفترين وسذاجة السطحيين.
وعلى ذلك فليس هذا الحجاب حالة وسَطية حقة، كما أنه ليس احتشاماً بمعناه المحافظ، فالوسطية بمعناها المصطلحي القرآني تعني الالتزام بكل ما أمر به الشرع التزاماً مرناًً ومؤاخياً لكل فئات المسلمين، ومتسامحاً معهم، ومجادلاً لِما هم عليه بالنصيحة وبالتي هي أحسن. أما كونه ليس محتشماً فلأن الاحتشام يقوم أصلاً على التمسك بالحجاب الساتر بدافعين معاً؛ دافع الحياء ودافع امتثال أمره تعالى وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم.
بيد أننا بلا ريب نوالي ونحسن الظن بالدرجة الأولى فيمن امتثل أمر الحجاب كما حدده الشرع، وهذا حدٌّ ضابط لمسألة الموالاة والحب في الله، وهذا لايعني لزوماً أن يكون الملتزم بالشرع - كالحجاب مثلاً - إنساناً أفضل معدِناً من غيره، فلربما كانت غير المحجبة أطيب معدناً وأجدى في قبول الدعوة بدقائقها من تلك المحجبة، إلا أن الحب في الله والموالاة له تعالى يفرضان ألا يُصرَف الولاء والحب إلا لمن التزم بما أمر الله به! وهذا يشي بأن معادن الأنفس والقلوب ليست في ظواهر الأحوال بقدر ما هي في بواطنها وسرائرها. قال تعالى «يوم تُبْلَى السرائر» أي تُمتحَن القلوب، فدلَّ على أنها هي الأصل، وما الأجساد إلا أوعية لاتُغْني في عالم الحق شيئاً!
وتتضح هنا عدة فوائد ونصائح كنتاج لهذه المعادلة:
* أنْ تزيد المسلمة المتحجبة، في صلاح قلبها وأخلاقها، وأنْ تكون أكثر مثالية، لأن الحجاب لايعني قمة الكمال.
* أنه لايجوز لغير المحجبة المفرِّطة أن تتذرع بطِيْبة القلب وحُسْن الخُلُق إزاء هذا التفريط، فمع أهمية حُسْن الخُلُق وطِيْبة النفس ونقاء السريرة، إلا أنها لاتُغْني أبداً عن أداء التكاليف الإلهية، وفي الحديث الصحيح (أيُّما رجل لم يؤمن بما جئت به إلا وجبت له النار)، والمعنى أنه كم من البشر طيِّبي القلوب والأخلاق سيُخَلَّدون في النار - بعذاب أقل من العتاة - وذلك بسبب عدم الإيمان وبالتالي عدم القيام بالتكاليف بمقتضى ذلك الإيمان. ونفهم من الضد أن كل مسلم سيُخَلَّد في الجنة مهما كان مقصراً مادام آمن بالله تعالى وأدى ما يفرضه عليه إيمانه من عمل.
ولتوضيح الصورتين (الحجاب الشرعي والشكلي) فلابد من وصف الحالين حتى لاتلتبس الأمور، فالوصف كما قيل تجسيد. فأما وصْفُ «الحجاب» السافر فهو في الجملة لايحقق الغرض من تشريع الحجاب، إذ هو مثير للفتنة، إذ غالباً ما تكون صاحبته ذات شخصية منفتحة وذات جرأة في التصرفات والنظرات والأقوال، وهي أبعد شيء عن (الحشمة) والتحفظ والحياء. شكلها يشجع على التطاول منه على الاحترام، جزء من قصَّة شعرها واضح للعيان، إما متدلِّياً على جبهتها وإما منسدلاً كذيل الحصان، مكياجها يجعلها أكثر جمالاً وتألقاً وفتنة للعابثين، وكُحْلُ عينيها ساحر لِنَهَمِ العيون والنظرات المشدوهة، كما أن عطرها الفوَّاح يجعلها كأنها حديقة زهور وورود لايستطيع المأسور بعَبَقها أن يخرج منها! ناهيك عن الحواجب المحفوفة والحمرة القانية، ثم هي تلتحف وتتوشح بعباءة مزركشة لافتة، فبدلاً من أن تواريَها وتسترها إذا هي تزيدها فتنة وسحراً، ثم ناهيك عن ملابس تفصِّل الجسد تفصيلاً! فأي حجاب هذا الذي لايمثله سوى قطعة قماش فوق بعض الرأس؟ وناهيك أيضاً عن شخصية تهوى الظُّرفَ والمزحَ وخفة الدم، وحب التعليق على الآخرين شوقاً للتندر والضحك والتسكع! ثم هي تجيد عدة لغات ما شاء الله! كلغة العيون، ولغة التَّبسُّم، كما تجيد لغات نادرة أخرى كلغة القسمات المعكوسة! فتبدي لك العُبُوس بديلاً عن الانشراح! وتبدي الغضب بديلاً عن الرضى! وتبدي الإعراض بديلاً عن الرضوخ! وتبدي السخرية والتعليق بديلاً عن الحب والوئام! فأين هذه المحتشمة - كما يزعمون - من مظاهر الحشمة كما يفهمها الشرفاء والعقلاء؟
ولئن شئنا أنْ نحلل سبب هذه الظاهرة بين بنات المسلمين لَطال بنا المقام، لذا نكتفي بالقول إن في النفوس بقيةً من دِين موروث ، تشوبه تقاليد وافدة مع ضعف في الدين وتسَيُّب في العبادة، الأمر الذي فصَل الدين عندهم عن واقع الحياة، خاصة الجوانب ذات العلاقة بملذات الحياة!
فأما المتحجبة بحجاب شرعي من أخوات فاضلات، وعاملات ملتزمات، فسنكون معهن أشد صرامة وصراحة ذاكرين ما لهن وما عليهن «ولهن مِثْلُ الذي عليهن بالمعروف»، وما ذاك إلا لأنهن وضعَهن اللهُ في موضع الأمانة، فكنَّ - لبنات جنسهن - قدواتٍ ومناراتٍ للهدى، وعلائم للدين القويم، وبهذه القِوامة تتغلظ عليهن الأحكام عند المربين والمصلحين، أما عند الفقهاء فهي لاتتغير، فمن هؤلاء الأخوات مَن بقيت على حجابها الشرعي الأصيل، وأخص منهن القدوات القديمات اللاتي حملن همَّ الدعوة وثبَتن على مبادئها عبر السنين وفي مواجهة التحديات، فلم تؤثر فيهن مؤثرات الدنيا من موضات وموديلات، وعلى رأسهن القدوة الفاضلة الشيخة الحاجَّة زينب الغزالي الجبيلي رحمها الله، التي قضت شطْراً من سِنِيِّ حياتها في سجون الطغيان، ولها في الوطن الإسلامي أضرابٌ وأشباه، تمسكن بذات المبادىء العالية، فكنَّ مناراتٍ تهتدي بهن بنات جنسهن إلى مبادىء الدين الحنيف، وبدرجة أقل نجد أخوات من الصف الثاني إنْ صح التعبير، ممن لم تتوغل المفاهيم بتمامها في قلوبهن قد تخلَّين عن بعض مواصفات الحجاب الشرعي إلى مواصفات الحجاب الشرعي الشبابي المطوَّر والمعدَّل!
وهذا يحدث إما بتغيير المفاهيم الأولى وإما بنقص الإيمان، وإما بفعل التأثر بموجات الانفتاح الدعوي الجديد - الزائد عن الحد المعقول - وذلك على أيدي مُلاَّك القنوات الفضائية الدعوية الضعيفة، والشديدة الانفتاح، والعاشقة على الدوام بل الخاضعة على الدوام لبريق التطوير والتغيير المفتعلَين! حتى سعت إلى تطوير الفقه والأحكام التي أجمع عليها علماء الأمصار عبر الأعصار، وبالتالي فإنه بحسب توجُّه هذه القنوات تغيرت مواصفات الحجاب الشرعي بإنشاء دُورِ عرْضِ أزياءٍ مُؤَسْلَمَةٍ تسِوِّق لأنواع من الأحجبة والعبايات والملابس السابغة ولكنها أبعدُ شيءٍ عن لباس الداعيات القدوات، فأحدثت هذه القنوات تأثيراً سلبياً واسعاً على فئات عريضة من الداعيات، خاصة إذا عُلِمَ أن مُلاَّكَ هذه القنوات أغلبهم شخصيات لها تاريخ دعوي حسن يوماً ما، فينشأ التأثر بهم بسهولة نظراً للسمعة الدعوية. وهنا تبرز بالطبع أهمية التمسك بالمبدأ لا التأثر بالأشخاص ولا بالقنوات مهما اكتسبت من سمعة حسنة ومهما كان لها من أثر طيب على جمهور عريض من المسلمين، فهذا شيء وذاك شيء آخر!
كما تبرز هنا أهمية التربية ذات مبدأ التثبيت والتمسك بأهداب الحق حتى تسير القافلة براكبيها معصومة من كل أوجه الخطل والخلل والخطأ، علماً بأن الخطأ في الدعوات التصحيحية لايأتي فجأة أو على شكل مقترح فاسد، بل يبدأ بمسميات ربما تكون مقنعة حين تتوشح بوشاح التطوير، وبالفهم الخاطىء لمفهوم عالمية الدعوة وسعة الشريعة وصلاحها لكل زمان ومكان، أو يبدأ التغير بالصغيرات من بنات الداعيات الشابات منهن، وهكذا ينشأ التغير منذ الصِّغَر حتى الكِبَر، حتى تتبدل الصورة المشرقة للدعوة المباركة بفعل التساهل المتدرج بقبول الألبسة المنقوشة والفاقعة والمذَهَّبة والمفصلة بتطريزات غير سوية أو شديدة الغرابة، فتدخل في أزياء الشهرة المحرمة، حتى ولو كانت ساترة أو طويلة سابغة.
إن على بنات الدعوة الفاضلات رفض الحجاب (الموديلي) والتمسك بالحجاب الذي رضِيَته الأمة المسلمة عبر القرون، لذلك فإن ترسيخ المبادىء في قلوب ونفوس الأتباع من أهم مثبِّتات الدعاة على دعوتهم وأهل الفكر على فكرتهم. وهذا الترسيخ يحتاج إلى صيانة دائمة تحَرُّزاً من العطَب بفعل عوائد الزمن وكثرة الواردات، وهذا التثبيت والترسيخ لايعنيان البتةَ الجمودَ وعدم التغيير نحو الأفضل، لا التغيير نحو الأردأ أو الأضعف. إنه ليس تغييراً لمجرد التغيير، فهذا عبَث قَطعاً، ولكنه التغيير الذي يعني توفير المفقود وتطوير الموجود. والله من وراء القصد.


