متى تتحول السياحة الداخلية إلى رافد للتنمية في مملكتنا؟
صحيح أن الله تعالى ما وهب دول الخليج العربية بمناخ مناسب مشجع على السياحة، لكن هناك عوامل ومميزات أخرى عوضتها عن المناخ، تجعلها قابلة لإجتذاب السواح، وقد تنبهت العديد من دول المنطقة الى أهمية جذب السائح الخارجي لاسيما بعد إدراكها أن مورد النفط يصعب الاعتماد عليه بسبب متغيرات الأسعار من جهة وبسبب أنه مورد ناضب لا محالة طال أجله أم قصر.
من هنا جاء التفكير لدى بعض هذه الدول بخلق موارد أخرى أهمها السياحة، وإذا علمنا أن النشاط السياحي صار أحد الروافد الاقتصادية المهمة الذي تعتمد عليه كثير من دول العالم، حيث تشير الإحصاءات العالمية حسب أحد التقارير إلى أن إجمالي عائدات السياحة في عام 1997 وصل إلى 3.8 ترليون دولار أمريكي، وكان التقرير يتوقع أن يرتفع في السنوات العشر التالية لذاك العام، وصدقت توقعات واضع التقرير إذ ارتفع عدد السواح بالفعل. وأشار تقرير صدر عام 2005 إلى أن عدد العاملين في قطاع السياحة سواء العاملين فيها بشكل مباشر أو غير مباشر إلى أكثر من 200 مليون عامل، أي إن للسياحة تأثيراً على 10.3% من إجمالي أجور العاملين في العالم.
ومن الأرقام المخيفة في دول الخليج الإنفاق الكبير للسواح الخليجيين في الخارج، وهو ما يبين لنا أهمية بذل كل الجهود الممكنة لتشجيع السياحة الداخلية للحد من هذا الإسراف في الترفيه السياحي الخارجي، فقد بلغ إنفاق الشعب السعودي وحده على السياحة الخارجية في عام واحد ما يساوي 19% من الإيرادات النفطية فيها، الأمر الذي دفع هذه الدولة الخليجية إلى أن تضع خطة لخلق سياحة داخلية نشطة تحد من السياحة الخارجية.
وتمكنت من خلق هذه السياحة بحيث بلغ مدخولها السنوي منها ما يتجاوز خمسة مليارات من الريالات، ورغم ضآلة هذا الدخل مقارنة بالسياحة الخارجية إلا أنه يعتبر خطوة جادة تبشر بالخير في المستقبل، مما دفع الحكومة السعودية إلى إنشاء هيئة عليا للسياحة لتجمع جهود تنشيط السياحة بين القطاعين العام والخاص.
وإذا ما علمنا أن المواطن الخليجي دون غيره من المواطنين والسواح العرب بدأ يعاف السياحة الخارجية بعد ظهور البدعة الأمريكية والأوروبية بمضايقة المواطن العربي الناشئة عن اتهام العرب والمسلمين بالإرهاب في أعقاب أحداث 11 ستمبر 2001، وهي السياسة التي تبناها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الذي ورَّط العالم كله بالانهيار الأقتصادي اللاحق.
وكذلك فإن ظهور أمراض مختلفة مثل الإيدز وإنفلونزا الطيور والخنازير جعل المواطن العربي غير متحمس كالسابق للسياحة الخارجية.
كما أن ظهور فروع لكبريات الجامعات العالمية مثل الجامعة الأمريكية والإيرلندية وغيرها بنفس المستوى من الجدية كما هو حال الجامعة الأمريكية في الشارقة مما شجع على عدم التوجه والسفر إلى الدول التي صارت تضع العراقيل أمام أبنائهم إضافة للخوف من التأثير على أخلاقياتهم.
ولو أن جهوداً أكبر بُذِلت على المستوى الرسمي لخلق مزيد من عوامل الجذب للسياحة الداخلية لأمكن أن تساعد على فتح شهية المواطن الخليجي للتوجه للداخل بدل الخارج.
وإذا علمنا أن الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية قد نجحت في خلق سياحة داخلية نشطة، ورغم ما بها من مقدسات دينية فإنها لم تشكل عائقاً للسياحة المفتوحة، فكيف بدول الخليج العربي الأخرى مثل البحرين التي رفعت القلم عن مختلف أشكال الجذب السياحي، إلى جانب وجود كثير من المواقع الأثرية والتاريخية على أرضها، مضافاً إليها العديد من الجزر، وإن كانت في معظمها ذات مِلكية خاصة لعدد من أفراد الأسرة الحاكمة، إلا أنه بالإمكان الاستفادة منها في السياحة الداخلية، حيث يمكن أن تصبح وجهاً من وجوه الاستثمار لهم عبر السياحة الداخلية العامة.
إن مشكلة السياحة الداخلية كما تشير إحدى الدراسات هي أن المستثمر الخليجي مايزال متردداً في الدخول في هذا المجال من الاستثمار، رغم أن مَن دخَلَه من كبار المستثمرين السعوديين مثل مؤسسة الفقيه، أدركوا أنه استثمار آمن بل أكثر أماناً من الاستثمار في دول أوروبية يمكن لها في أية لحظة أن تجمد أموالهم باختلاق أسباب ومبررات لاتحدث في بلداننا، فمادام من يدفع الزكاة للفقراء أصبحت الدول الأوروبية تجمد أرصدته في بنوكها بتهمة دعم الإرهاب، فمعنى ذلك أن استثماراته هناك في مواقع غير آمنة.
من يصدق إن دولة صحراوية كالمملكة العربية السعودية، ورغم أن سطح الأرض فيها يوصف بالقسوة، قد تمكنت من جعل السياحة الداخلية نشطة للغاية مؤخراً، فالأحرى ببقية دول الخليج الأخرى أن تتمكن من خلق نشاط أكبر، فإذا علمنا أن مهرجان الجنادرية وحده الذي يستمر شهراً واحداً يجذب ما لايقل عن ثلاثة ملايين شخص ندرك مدى إمكانية خلق سياحة داخلية نشطة في البحرين.
إن ضمن أحد عوامل النجاح في بلادنا التي تشجع على تنشيط السياحة الداخلية وجود شفافية الحديث وحرية القول، وهو ما يساعد على إقامة أنشطة ثقافية قد تتحول إلى رافد استثماري للتنمية، وبوجود وزيرة للثقافة والإعلام نشطة في إحياء المواقع الأثرية ولديها وعي كبير في إحياء العديد من آثار وتاريخ البحرين مع اهتمام كبير وولع بالفنون الراقية والثقافة المتميزة التي تلفت نظر المثقفين الملتزمين والجادين، ما يمكن تحويل ذلك إلى نشاط استثماري كبير، ولو زاد اهتمامها قليلاً بإعادة الحياة للمسرح البحريني وفرقها التي كادت تتوقف عن الإنتاج لخلقت رافداً استثمارياً داخلياً ربما يجذب كثيراً من الخليجيين من خلال حرية الإبداع التي لايجدها كثير من المثقفين في بلدانهم حتى الآن.
إن العوامل المعرقلة للسياحة الداخلية في البحرين أقل من دول الخليج الآخرى، لولا ظهور نوع من المد الديني السلفي السني وأصحاب العمائم الشيعية من المتشددين الذين لايقلون تطرفاً وعرقلة للانفتاح الفني والثقافي والمسرحي من أقرانهم السنة.
وتكشف إحدى الدراسات أن هناك عدداً من العوامل التي تعرقل النشاط السياحي الداخلي في دول الخليج العربي، منها عدم توفر عناصر الجذب السياحي بصورة متكاملة والتي تساهم في جذب السائح المحلي الذي تعَوَّد على مستوى معين من الخدمة السياحية بمفهومها الشامل في الخارج، ثم القصور الإعلامي في إظهار المواقع السياحية في المناطق الداخلية. ثم أيضاً القصور في النظرة الاقتصادية لصناعة السياحة الداخلية لدى مستثمري القطاع الخاص. فقد أوصت الدراسات نفسها بتنشيط هذا النوع من السياحة وإلى ضرورة ألا يتعارض النشاط السياحي مع مبادئ الشريعة الإسلامية وتقاليدنا العربية والخليجية، وضرورة الترويج الجيد له إعلامياً، ثم ضرورة نشر الوعي على اعتباره مسألة وطنية وإجتماعية.
كما أوصت الدراسات تلك بضرورة عقد ندوات متخصصة لمعالجة القصور الأقتصادي للسياحة الداخلية، أذكر فيما أذكر كيف يستغل الأوروبيون - رغم قلة ما ببلدانهم من مواقع أثرية مما لدينا – إمكانياتهم لجذب السائح الداخلي والخارجي، فجمهورية التشيك مثلاً بعاصمتها براغ نافورة كل ما بها أن مياهها تصبح ملونة في المساء مع مرافقتها بموسيقى إحدى سيمفونيات بتهوفن، فترى الجمهور يتجمع في كل مساء حول هذه النافورة. فلماذا نحن لانستغل تراثنا ومواقعنا لخلق مثل هذا النوع من جذب المواطن إليه؟ والسؤال الأكثر إلحاحاً: متى ستصبح السياحة الداخلية عندنا رافداً للتنمية؟


