وماذا بعد؟!
كأنها مباراة كرة قدم، فخلال تسعين دقيقة وتزيد لايتم إحراز هدف، ولكن في غمضة عين وانتباهتها يُعلَن عن اهتزاز الشباك بهدف قاتل. لعل هذا ما يراد تسويقه أمامنا فيما يخص ما اعتيد تسميته (تحقيق السلام في الشرق الأوسط)، فبعد مدى زمني طويل من بدء مسلسل مباحثات (السلام المتفرع والمتداخل، المتصاعد والمتهابط، و”الرايح جاي”) بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، والذي يتم أحياناً برعاية أطراف وحدَب رعاة، والذي يقدَّر بسبعة عشر عاماً، بل بثلاثة وثلاثين عاماً إذا ما وُضِع في الحساب شروع النظام المصري عراب (السلام) وانغماسه في المسلسل إياه والدعوة له والتوسط فيه والتحبيب إليه وتزيينه وتزويقه، وبالذوق أو بالعافية تجاه من يعارض أو يمتنع، ها هي أربعة أشهر وأربعة أشهر فقط وبقطار مفاوضات غير مباشرة هذه المرة، والأشبه ما تكون بغمضة العين المشار إليها أعلاه، ستكون كفيلة بحل عقدة تزداد إحكاما وتتوثق عُقَداً لحظة بلحظة وليست أياماً وسنوات كسنوات مباحثات ومفاوضات (السلام) المباشرة، وأنها ستتمخض عن ولادة جنين سليم بعد حمْل لأربعة أشهر فحسب.
والعجب العجاب أن الموافقة على مباحثات غير مباشرة لم تقتصر على رأس السلطة الفلسطينية وحدها كما جرت العادة، بل شاركها في نيل الشرف والحظوة دول الجامعة العربية بالإجماع على سيمفونية لحن (موافقون)، عدا سوريا التي أبدت ممانعة لم يُعِرها أمين عام الجامعة الذي هو عمرو موسى أي اهتمام أو اعتبار، والذي أعلن الموافقة تلك وأشفعها بتهديد ووعيد لا فض فوه، بأن الموافقة مرهونة بإظهار نتائج خلال الأشهر الأربعة من إعلانها وإلاَّ وإلاَّ و... إلاَّ!! علماً بأن عمرو موسى هذا هو نفسه (الأمين) العام للجامعة الذي لم يبادر بعد وربما لم يتجرأ إلى الآن على زيارة غزة معطياً إياها أذناً من طين وأذناً من عجين، وهو ذاته الذي أخفق في اتخاذ موقف مماثل لموقف رئيس الوزراء التركي حين هب غاضباً في وجه رئيس الكيان الصهيوني وغادر القاعة التي كانت تجمعهما العام الماضي بسويسرا لقلبه الحقائق حول العدوان الصهيوني على غزة، وبحضور أمين عام الأمم المتحدة وأمين عام بيت العرب، حيث عجز الأخير عن مخالفة الأول حين طلب منه أو (أمره) بالجلوس وعدم المغادرة!
وعلى أية حال لم نجد في بيان عمرو موسى أو أي بيان عربي في صدد الأشهر الأربعة والمباحثات المباشرة، ما يشير إلى ماذا بعد، وما إذا كان سيعقب ذلك تجييش جيوش وتجنيد جنود وتطيير طائرات وتدبييب دبابات وترصيص رصاص وفلق حصى، وفي الجملة فِعْل أفاعيل! إذا ما لم يحصل ما يرجوه القرار العربي الإجماعي الموافقي من نتيجة أو شبه نتيجة، وإذا ما استمر الكيان الصهيوني في ممارساته وأفاعيله وجرائمه، وإذا ما اكتفى الراعي الأمريكي بطلب ضبط النفس وإعطاء فرصة لـ(السلام) وفرصتين وفرصاً إلى ما لا نهاية.
وإن غداً لناظره قريب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


