العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

مقترح محميات للفكر والثقافة/ نوافذ الانحراف

أحمد محمد يوســف

لايجوز أن نستهين بأسباب انحراف الثقافة أو الفكر مهما بدت ضئيلة أو غير ذات بال، فإن النار – كما قيل – معظمها من مستصغر الشرر! ولعل المتأمل في عقائد العامة وخرافاتهم الكثيرة، والتي توثقها بعض المسلسلات الوطنية كجزء من التراث، فتساعد على إعادتها في الأذهان كلما محاها الزمن، هذه الخرافات لها جذور ومنابع تاريخية، أقواها أثراً الأحاديث الإسرائيلية والروايات المكذوبة والمنسوبة لمشاهير العلماء المسلمين وغيرهم، فتتأصَّل بعدئذ في حياتنا كثقافة وممارسة.
فمن أمثلة هذه الخرافات والعقائد أن تقوم المرأة العقيم بالقفز على قبر المقتول ظلماً لتنجب! وهي تقول “مِن ذبح بلا يرمه، يفك عقدة الحرمة”، أو كمنع من جاءت من مجلس عزاء من أنْ تزور مُرضعاً أو عروساً يُرجى حملها! أو اعتقاد أن الوزغ يورث البرص. وهناك معتقدات كثيرة في الأطعمة كالجمع بين اللبن والسمك والحامض والحليب ...إلخ من هذه الضلالات، بحيث لاتوجد أمة أو شعب في العالم إلا وتأصَّلت في أوساطه وبيئته الكثير من هذه الخرافات، بل حتى الأديان الوثنية – خاصة الآسيوية (الشرقية) منها – كلها تأصَّلت بسبب قبول روايات مفتراة أو محرفة عن ديانات سماوية قديمة، بل إن الكتب السماوية المنسوخة لم تُنسخ إلا بسبب تحريفها، أما الأمة الإسلامية فقد عصمها الله تعالى من غائلة التحريف والتصحيف بحفظ كتابه وتنقيح أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم.
إلا أن منافذ الثقافة الأخرى يجب سدها تجنباً لرياح الجهل التي تفِد منها، ومن هذه المنافذ تلك المطبوعات التي تضخها المطابع لكل من هبَّ ودبَّ، والمنسوبة لبعض المؤسسات الدينية أو إلى فاعلي خير من المسلمين، أو إلى أندية وجمعيات شتى، أو مراكز دعوية غير مكتملة النضج. فمنذ فترة رأيت مجموعة مطبوعات ضخمة العدد لفتوى أحد المشايخ الخليجيين فحواها أنه سئل عن حكم ذبائح بلد يُشتبَه أن يكون القصَّابون فيه شيعة أو ممن لديهم ضلال في العقيدة، فجاءت الفتوى لتحكم بوجود شبهة في ذبائح أهل هذا البلد وعدم جواز حِلِّها! أو حكم الصلاة خلف إمام غير ملتحٍ بأنها لاتخلو من شبهة فيجب تغييره لا الصلاة خلفه، أو الاعتماد على رأي فقهي واحد في حكم تارك الصلاة الذي يجب أن يُهجر ويكفَّر فتَهْجُرُ الزوجة زوجها وبالعكس، ويقاطع الابن أباه وبالعكس، بينما فرصة الصلح والإصلاح موجودة في ديننا من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لأَنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النِّعم)، وقوله عليه الصلاة والسلام (المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لايخالطهم ولايصبر على أذاهم).
ومنذ ما يزيد على أسبوع رأيت ملصقاً على باب منزلي صادراً من المركز الإسلامي للدعوة بالرفاع الشرقي كُتِب فيه بخط جميل لكنه ذا معنى قبيح: (لاتجعل الله أهونَ الناظرين إليك!!)، فلم أقدر أبداً أنْ أتصور كيف يمكن أن يتطرق (الهوان) إلى الله عز وجل، تعالى الله عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً. إنني أسجل اعتراضي القاطع على هذه العبارة الجريئة والغامضة المعنى عملياً. أعترض عليها حتى ولو صدرت من عَلَم من الأعلام، لأن كل أحد يؤخذ من كلامه ويُرَد إلا النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن منافذ هذا النوع من الثقافة التي تؤدي إلى الانحراف بعض ما يكتب في التقاويم وما تحويه مِن حِكم أمامية وخلفية، ومعلومات فلكية لها علاقة بمواسم الزرع وغيره، وتُكتَب فيها عبارات قديمة قالها العرب، قد تَصْدُقُ وقد لاتَصْدُق، فيجب الانتباه لها، لأنها تقع في يد قارئي التقاويم مباشرة يقرأونها بثقة وبشكل يومي، وقد يكون مضمونها مما يتنافى مع الحقائق ويتصادم مع الواقع.
ومن هذه المنافذ أيضاً تلك المسجات الركيكة الضعيفة التي يؤلفها العامة تأليفاً، وهي في الأغلب الأعم منحولة لغوياً وقاصرة فكرياً ودينياً وعَقَدياً، فلا الفاعل منها مرفوع ولا المفعول به منصوب، فضلاً عما فيها من جهالاتٍ عظيمة، في الوقت الذي يجب أنْ تنفع هذه المسجات الناس باعتبارها وسيلة تَواصُل سهلة وطيبة.
فما رأيكم – أيها السادة – فيمن يدعو الله لأخيه متَسَلِّم الرسالة أن يبتسمَ اللهُ له إذا نظر إليه، وأنْ يحتضنه إذا لاذ به! فمَن الذي يستطيع أن ينظر إلى الله أصلاً؟! ناهيك عن أن يقابل الله هذه النظرة المزعومة بالابتسامة لمن نظر إليه سبحانه. إنه مشهد مأخوذ – والعياذ بالله - من تَناظُر الحبايب والعشاق لبعضهم! وثانياً في أي آية أو حديث أو قول يحتضن الله تعالى مَن لاذ به؟ إنها تعابير قد تكون كنايات واستعارات ممتنعة في حق الله سبحانه وتعالى!
وما رأيكم في رسالة نصية أخرى تقول في مطلعها (جعلك الله ممن تقولُ له النار يا مؤمن: اعبُر فإن نورك أطفأ ناري! وممن تقول له الجنة: اشتقت إليك!)، وهنا تحكُّمات عدة، منها أن النار والجنة ستكلمان الناس بهذا القول! ومنها أن النار قد تنطفىء إذا عبر فوقها المؤمن! وأن النور يطفىء النار!
وآخر يقول في رسالته النصية التي حرَّكت سيبويه من قبره (أسعدك الرحمن بجمعة لايضيق لك فيها صدراً، ولايخيب لك فيها أمراً، ويجعلك في توفيق ويسري)، وعذراً لأهل اللغة، فلا الإعراب صحيح ولا الإملاء كذلك صحيح، ناهيك عن هذا المعنى الهزيل المنهوك.
كذلك من أسوأ منافذ الثقافة الشوهاء والعوجاء ما نسمعه من تبَجُّحات المنجمين والمشعوذين الذين يختلقون الكذب والافتراء بتدجيلهم على الناس من خلال ادعائهم بالعلم بالأبراج، فيُوقِعون مَن يصدقونهم في أوهام يبنون عليها علوماً وثقافات واحتياطات وتخوفات كثيرة، ويجعلون منهم أشخاصاً جبناء سلبيين يتهربون من واقع الحياة، آخذين بنصائح هؤلاء الكذابين، وهؤلاء ردَّ عليهم الشرع المطهَّر في قوله تعالى “قل لايعلم مَن في السموات ومَن في الأرض الغيبَ إلا الله”، وفي قوله صلى الله عليه وسلم (كذب المنجمون ولو صدقوا)، وقوله (مَن أتى عرَّافاً فسأله فصدَّقه لم تُقبل صلاته أربعين يوماً)، فهو أشبه بمن كفر أربعين يوماً والعياذ بالله.
يجب إذن على الأجهزة الأمنية والجهات الثقافية والتراثية والتعليمية والدعوية أنْ تلاحظ هذا، وترتقي بمخرجاتها إلى المستوى المطلوب معنىً ومبنىً، فإن المعنى الشريف يحتاج إلى مبنى رصين يزيده قوة وجمالاً، وكم من معنى جميل ضاع بين كلمات رثة وضِيعة.
إننا بهذا التوجه الإيجابي نحمي عقول جيلنا، ونصون ثقافته وعقيدته وفكره وروحه، ونسمو به إلى الأفق المطلوب، فإن ما تختزنه عقولنا وقلوبنا ونفوسنا هو الذي ستنضح به كلماتنا وتآليفنا ومقالاتنا ومحاضراتنا، وكل إناء بما فيه ينضح.

إعلانات

Developed By: Frecsoweb