موقع اليسار البحريني في الصراع الاشتراكي الرأسمالي العالمي الجديد
إن المتتبع للخلاف بين الاشتراكيين والرأسماليين اليوم يشعر أنه بدأ يفرض نفسه من جديد، بعد أن استسلم الشيوعيون لفترة طويلة في أعقاب سقوط الدولة السوفيتية في روسيا، حيث قامت الحكومات التي تعاقبت على السلطة في روسيا بعد ظهور جورباتشوف وانقلابه على النظام الاشتراكي، والذي يُعتبَر بداية لنهاية الحرب الباردة بين النظام الماركسي والأنظمة الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
وكان من أهم عوامل سقوط النظام الاشتراكي في روسيا هو فشل الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان، حيث كانت قواته التي قاربت المليون لحفظ نظام نجيب الله الموالي لهم قد أنهكها الإسلاميون بدعم من المخابرات الأمريكية والباكستانية، وبمباركة من الأنظمة العربية العميلة للغرب كما يرى ذلك أنصار الاشتراكيين في العالم، ومن بينهم مختلف الأحزاب الشيوعية بما فيها اليسارالبحريني المتمثل في جبهة التحرير الوطني البحرينية التي تأسست في منتصف خمسينيات القرن الماضي، والتي برزت في ثوب جديد وتسمية جديدة بعد السماح بقيام الجمعيات عندنا في أعقاب الحركة الإصلاحية التي قام بها جلالة الملك، وصارت التسمية الجديدة جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي، حيث عاد إليها عدد من المخضرمين العائدين من المنفى، مع انضمام أنصار جدد إليهم من جيل الشباب.
أقول مرة آخرى إن المتتبع لحركة الاشتراكيين في العالم يرى أن أملهم قد انتعش من جديد في أعقاب فشل الرأسمالية في عقر دارها بالولايات المتحدة بعد انهيار الأنظمة المالية التي حدثت فيها، وظهور مجتهدين من طبقة السياسيين الذين رأوا في هذه الأزمة المالية بداية النهاية للرأسمالية.
إن عودة هذا الأمل لنجاح الاشتراكيين من جديد في الكثير من الدول يعتمد على عدة عوامل، أهمها فشل النظام الرأسمالي في أمريكا ذاتها، وتجديد الاشتراكيين في خطابهم الذي صار أكثر واقعية، حيث أدركوا أن حرية الإنسان جانب مهم، فالإنسان لايعيش بالخبز وحده، ثم فشل النظام الجديد الذي جاء في أعقاب النظام الماركسي في الاتحاد السوفيتي، وظهور ملايين العاطلين عن العمل، والفساد الذي استشرى داخل المؤسسة الحاكمة، إلى جانب ظهور مافيات لم يكن العهد السابق قد عرفها من قبل، ثم تفتت المجتمع السوفيتي (الروسي بالذات) وانتشار الفساد الأخلاقي بسبب تدهور الأوضاع المالية والاقتصادية للجماهير الروسية.
وإذا ما أضفنا الى هذا وذاك نجاح الشيوعيين الصينيين في منافسة الولايات المتحدة وأوروبا، بل والتعافي من آثار الأزمة المالية العالمية قبل غيرها، وتحسُّن أوضاع المواطن الصيني اقتصادياً وتراجع البطالة فيها، حتى بلغ أن كشف أحد التقارير أن الصينيين صرفوا في ثلاثة أيام بأعياد الميلاد هذا العام ما زاد على خمسين مليار دولار! لهذه الأسباب وغيرها ومن أهمها بروز أنظمة اشتراكية في أمريكا الجنوبية وانحسار اليد الطويلة السابقة لواشنطن بها، أعاد الأمل للماركسيين وكثير من الحركات الاشتراكية لأنْ تستعيد عافيتها، خصوصا وأن الرأسماليين الذين كانوا يشوهون النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي ويتقولون عليه حتى صاروا يتهمون معتنقي الاشتراكية في ممارساتهم الأخلاقية، يساعدهم في نشر هذه الدعايات بعض الإسلاميين الراديكاليين الذين كانوا على عَمى من أن هذه دعايات إمبريالية مغرضة، واتضح للجماهير العربية ذلك وعلموا أنه ليس كل اشتراكي تنطلق أفكاره من خلال النظرية المادية الجدلية والكفر والبعد عن الإيمان وعدم الاعتراف بوجود الخالق، وقد سبق أن ذكرت كمثال أن خالد محي الدين الأمين العام للحزب الشيوعي المصري، وكذلك عبدالخالق محجوب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني وكثيرون غيرهما من الشيوعيين كانوا شديدي الالتزام بأداء أركان الإسلام، وهو ما جعل هذه الجماهير مع ارتفاع المستوى الثقافي والعلمي تغير من نظرتها تجاه الفكر الاشتراكي. والمتتبع لتعاليم الدين ومقارنتها بالأنظمة الوضعية الجديدة من رأسمالية وشيوعية يرى أن الإسلام هو أقرب إلى الفكر الاشتراكي من النظام الرأسمالي الجائر الذي حوَّل المسلمين الى إرهابيين ووسم الإسلام نفسه بأنه دين إرهاب، وصار يضغط على أتباعه من الحكام العرب بمنع تدريس آيات وسور معينة من القرآن الكريم تتحدث عن أهمية الجهاد لدحر المحتل الظالم من أراضي المسلمين.
إن القارئ الواعي لتعاليم الدين الإسلامي يدرك جيداً أنها أكثر اشتراكية من الماركسية، وأنها تفرض الشورى الملزمة على النظام الإسلامي، وما نزول الآية الكريمة (وأمرهم شورى بينهم) إلا لكي يتبعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل الأمور حتى في قضايا الحرب التي لاتتم إلا باستشارة أصحابه.
فالإسلام هو الذي شجع المجتمع على أن يدفع أجر العامل قبل أن يجف عرقه، وهو ما لم يذهب إليه ماركس نفسه. وهناك من المسلمين الأوائل من قال عجِبت لامرئ بات جائعا ولم يُشهِر سيفه، وهو ما لم يقله لا ماركسي ولا لينين ذاته في أدبيات كتاب رأس المال الماركسي نفسه.
إن ما جعلني أرصد عودة الأمل للاشتراكيين هذه الأيام ومن بينهم اليسار البحريني المتمثل في جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي، هو عودة نشاطهم الثقافي الجديد المتمثل في إصدار ثلاث مجلات وكتيبات يتم توزيعها بنشاط وعلى نطاق واسع، وأول هذه الإصدارات يأتي على شكل مجلة شهرية تحت مسمى (التقدمي)، والآخر تحت مسمى (صوت العامل)، والإصدار الثالث يصدر على شكل سلسلة تثقيفية، وصدر العدد الثالث منه تحت عنوان (مدخل إلى النظرية الاقتصادية) حيث يشرح النظرية الماركسية بشكل مبسط، مما يكشف للقارىء عيوب النظام الرأسمالي وأسباب انحداره، خصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية القائمة، وكأنه عملية انتقامية لِما جرى على يد الرأسمالية من إسقاط للنظام الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي. ويشرح الكتيب الشروط الضرورية لتكوين الرأسمالية، ويتخذ من بريطانيا مثالاً حيث يقول: (يتركز الإنتاج الحديث في أيدي الشركات الكبرى، فالشركات الكبرى من قبيل يونيليفر وفورد وبريتيش بتروليوم تسيطر على حياتنا. صحيح إن هناك مشروعات تجارية صغيرة إلا أنها تمثل نمط إنتاج يعود إلى الماضي وليس إلى الحاضر. إن الإنتاج الحديث ضخم بطبيعته وواسع النطاق).
اليوم وفي بريطانيا العظمى تسيطر 200 شركة و35 بنكاً على اقتصاد البلاد وتحقق 85% من الإنتاج الوطني. لقد تحقق هذا التطور خلال القرون القليلة الماضية عبر منافسة شرسة ومن خلال الأزمات والحروب. وفي الوقت الذي كان فيه الاقتصاديون الكلاسيكيون يتوقعون ازدهار التجارة الحرة، أوضح ماركس كيف أن المنافسة ستؤدي إلى الاحتكار وأن الشركات الصغرى ستنقرض.
ويواصل واضع الدراسة فيقول: (للوهلة الأولى قد يبدو إن إنتاج السلع موجهٌ أساساً لتلبية احتياجات السكان. إنها بالتأكيد ضرورة يجب على كل مجتمع أياً كانت طبيعته أن يجيب عنها، لكن السلع والمنتجات في ظل الرأسمالية لايتم إنتاجها من أجل تلبية الاحتياجات فقط، فهي تنتَج في المقام الأول من أجل أنْ تباع، فهذه هي الوظيفة الأساسية للصناعة الرأسمالية كما كان اللورد ستوكس الرئيس السابق لشركة بريتش ليلاند يقول: إنني أصنع المال وليس السيارات. إنه التعبير المثالي عن طموحات الطبقة الرأسمالية برمتها).
ثم يشرح واضع الدراسة نمط الإنتاج الرأسمالي وما يفترض أن يتوفر فيه فيقول: (يفترض نمط الإنتاج الرأسمالي توفر عدد من الشروط، فأولاً لابد من وجود طبقة كبيرة من العمال المحرومين من المِلكية والذين هم بالتالي مضطرون لبيع قوة عملهم لكي يعيشوا، وهذا يعني أنه في ظل الرأسمالية ليس المفهوم الليبرالي بديمقراطية المالكين سوى عبث، لانه إذا ما امتلكت أغلبية الشعب ما يكفيها من الممتلكات لتلبية حاجاتها فإن الرأسماليين لن يجدوا عمالاً لخلق الأرباح).
أليس هذا شكل من أشكال عودة الحرب الباردة بين الاشتراكيين والرأسماليين من جديد؟ وليت واضع الدراسة قد قارن فكره الماركسي بتعاليم الدين الإسلامي الاشتراكية التي قال عنها أمير الشعراء حين امتدح رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم:
الاشتراكيون أنت أمامهم
لولا دعاوى القوم والغُلَواء


