شبابنا وتيه الضياع
ثمة ظاهرة مجتمعية خطيرة نلاحظها بوضوح، تنبىء بمستقبل قاتم بالنسبة للجيل القادم. إنها ظاهرة الفراغ الذهني والزمني عند شبابنا هنا وفي البلدان العربية الأخرى، الأمر الذي شكَّل شِلَلاً شبابية، وتجمعات سيئة التأثير والمخبَر والمظهر والمضمون، إنها تجمعات تشِي بمشكلة مشترَكة عند هؤلاء، تجمعات حدثت دون ترتيب ولا تدبير ولا نداء ولا تحفيز، إنها زُرافات تنضم إلى بعضها، وأفراد يتوافدون نحو بعضهم، حتى باتوا في كثير من الأحيان يشكِّلون قوة تستعصِي على رجال الأمن أو المرور أو رجال المجتمع، جمَعَهم همٌّ مشترك أنشأ ولاءً لبعضهم البعض بالحركة البطيئة غير الملحوظة، حتى ربما ثار القاصي منهم دفاعاً عن الداني!
تجْمَع هؤلاء مواصفات مشتركة في الألبسة والتصرفات وطرق التعبير، وربما المقتنيات من سيارات وأدوات، هندامهم يميل إلى الرثاثة وعدم النظافة، والشذوذ في ألوانها وتفصيلها، شعورهم غريبة، وتعابيرهم غير مهذبة وسِبابيَّة وبذيئة وعالية النبرة وغير مسؤولة في دلالاتها ومعانيها. أما تصرفاتهم فهي أقرب إلى الطفولية وغير الرجولية، بل هي عشوائية وربما تخريبية في المُلْك العام، فهم يُفَحِّطون بعجلات سياراتهم بشكل مزعج جداً في الشوارع أو الساحات العامة والخَلَوات، غير مكترثين بما تحدثه هذه الأعمال في سياراتهم أو ربما سيارات آبائهم وأهليهم من تخريب وأعطاب وأضرار، إزاء ضعف مدخولاتهم وبطالتهم، ولا بما يحدثه هذا التفحيط من أذى بالغ بالمتواجدين قريباً منهم من الأفراد والعوائل، حيث تشكل هذه الحالة رغبتهم في السيطرة التامة على الوضع، مما ينشأ عنه إيثار أولئك المحترمين من الناس والعوائل الانسحاب والبعد عن منافذ الشر والأذى!
أما التعابير فحدِّث ولا حرج. إنها ملاسنات نابية يندى لها جبين ذوي الأخلاق، تتعدى هذه الملاسنات بينهم إلى سب الآباء والأمهات بأقبح مفردات السِّباب، من الأحياء منهم أو من الذين أفضوا إلى ربهم أمواتاً!
وأما أنماط هذه الشِّلل، فهي على نمط واحد وإنْ تفاوتت علائمه وميِّزاته، إلا أن فوارق العُمُر فيهم جدَّ متفاوتة، ففيهم طلبة الابتدائية والإعدادية والثانوية، وكذلك الكثير منهم من الكبار بل الكهول الذين عدَّوا مرحلة الأربعين؛ الأمر الذي يثير مخاوف على شرف مخالطيهم من الصغار، خاصة أولئك الأغرارَ الكاشفين سيقانهم أمام هؤلاء (المسنين) المشبوهين. إنك تجد مثل هذه التجمعات عند قلعة عراد بشكل رهيب، وهي حالة فظيعة جداً كونها أصبحت مثار جدل وشكوى ممن يرتاد المنطقة من الأهالي، وتجدهم في مواقف سيارات الجوامع والمساجد الكبيرة، وفي الساحات والبرايح المرصوفة وأمام المجمعات التجارية، وعند ملتقى الطرق السريعة وغيرها. ونحسب أن بالإمكان معالجة وضبط هذه الظواهر المنكَرة اليوم ممن يهمه الأمر من مجتمع ومن بيده الفعل من سلطة، أما إذا أُهمِلت وأغمضت العين عن تفشيها وعدم حساب مآلاتها الخطرة، فإنها ستغدو بلايا عظيمة عما قريب.
ولعل مما يؤكد المخاوف (على ومِن) هؤلاء حين ترى شريحة منهم – مثلاً - يسمعون الأذان ينطلق منادياً للصلاة من مسجد نادي المحرق المجاور لهم؛ ثم لايتحرك واحد منهم للصلاة. فهل هؤلاء كانوا يصومون؟ وما شكل علاقاتهم بأهلهم ووالدِيهم؟ من الشكل الظاهر يتبين أنهم تركوا كل مسؤولية عليهم وراء ظهورهم، وراحوا يلمِّعون سياراتهم ويصرفون عليها من أشكال الزينة ما يرهق معيليهم وأهليهم.
ومما يؤكد استفحال الخطر وعدم وقوفه عند حد هو وصوله إلى درجة الظاهرة في المجتمعات العربية ناهيك عن الغربية التي تم استيراد هذه السيئات منها، مما كان يسمى بتجمعات الهيبز في ستينيات القرن الفائت، لذا تراهم في تكاثر في عواصم دولنا ومدنها الكبيرة، فتراهم هنا وفي الكويت والدَّوحة وعُمان وأبوظبي والرياض وجدة وبيروت وعَمَّان والقاهرة والرباط، بل تجدهم حتى في مكة المكرمة والمدينة المنورة شرَّفها الله تعالى.
لنا أنْ نتصور مستقبل هذه العواصم والمدن العزيزة على نفوسنا، وكيف ستبني تنميتها وتحقق طموحها وحضارتها مع أمثال هذه الشرائح غير المتربية؟ فعلى مَن ستعتمد دولنا في الخبرات المالية والتعليمية والأمنية والدفاعية والاستشارية والقضائية والصحية؟ على هؤلاء؟! إنْ كان الاعتماد حتماً سيكون على غيرهم، فعلامَ الصرفُ عليهم في تعليمهم وصحتهم والإنعام عليهم بسائر النعم التي يجحدونها؟
في دولنا تزخر مؤسساتنا المدنية بمصطلحات تُشعِرك بالأمان شكلاً لينتابك الخوف موضوعاً، فنجد مصطلح (رعاية الشباب، الرعاية الشبابية، مركز الهوايات والحرف ...) ناهيك عن معاهد التدريب الابتزازية – إلا ما رحم ربي – والتي لا همَّ لها إلا الربح والاستزادة من المال، فلو أمسكنا بمسألة التدريب هذه؛ فإننا نَعجَب من سبب قَصْرها على طبقة الموظفين في الدول، فلماذا لايعمم التدريب ليشمل المواطن بدل الموظف وحده؟ في المواطنين ذَوو حاجات إلى تعلُّم شيء يكسبون به رزقهم ويحفظون كرامتهم، أو مَن يدُلُّهم على أبواب الرزق المتاحة لمثل مستوياتهم، وأين التدريب على الفضيلة والامتهان بأية مهنة لهذه الشِّلل الشبابية الخطيرة؟ لماذا لايتم انتشالها لمصلحة الدول وتوظَّف طاقاتهم بدلاً من ملاحقتهم مستقبلاً لضبط ما بحوزتهم من مخدرات أو ما هم بصدده من نوايا تخريب أو جرائم قتل أو سرقة أو اعتداء؟! أين هؤلاء من سياسة التجنيد الإجباري المتاح لدى بعض دولنا خاصة إذا لم يُستغَل بشكل فيه إضرار وتكريس لأجندة سياسية خاصة، ليكونوا رجالاً يدافعون عن عن الوطن ويحرسون الفضيلة فيه، بدلاً من أن يكونوا له هادمين ومدمرين؟
لايجوز لعقلاء الوطن ألبتة أن يتركوا هؤلاء الأغرار الذين سيبتلعهم عما قريب ليل دامس دون أن يتحركوا لنجدتهم سريعاً كما تتحرك سيارات الإطفاء فزْعة لأهل بيت نشبت فيهم النار! أو كما تتحرك سيارة الإسعاف لمن استنجد بها وقد أشرف على الهلاك. أقول هذا لأن مستقبل هؤلاء الشباب – وهم على مِثْل هذه الحالة – لايختلف في شيء عن حالة مَن أشرف على الهلاك. إنني لا أخاف عليهم أكثر من خوفي على هذه الأوطان الآمنة، باعتبار أن هذه الأوطان هي أوعية أمن للإنسان، وباعتبار أن هذا الإنسان هو صانع الحضارة إذا ضمِن سلامة الوعاء! كما أن التجربة اليومية تقول إن الطعام قد يستحيل سُمَّاً زُعافاً إذا كان الوعاء متسخاً، مع احترامي لكل الأوطان، فهذا كما قال العلماء: «مَثَلٌ مع الفارق».
إنني أدعو الغيورين وشرفاء الوطن من التربويين والمربين والمشايخ والدعاة، وقبل أولئك جميعاً، القيادة الحكيمة لمملكة البحرين، إلى تبَنِّي مشروع حضاري ينتشل كل شبابنا من الضياع والتشرد، وذلك أماناً لمستقبل ديارنا، واسترداداً لبعض حقوقنا عليهم، والله من وراء القصد.


