كيف أصبح المطرب ضاحي بن وْليد والفريق ضاحي خلفان نجمين في سماء الخليج؟
ضاحيان برز نجماهما في سماء الخليج رغم الفارق الزمني بينهما، أحدهما هو المطرب الشعبي البحريني المرحوم ضاحي بن وْليد، والثاني الفريق ضاحي خلفان قائد شرطة دبي الحالي، والذي لايتوقف عن الإدلاء بتصريحات لوسائل الإعلام المختلفة، وضاحي الإماراتي من برج الأسد، أما ضاحي البحريني فمن برج الحمَل.
فقد لمع نجم الفريق ضاحي خلفان قائد شرطة دبي في أعقاب اغتيال القيادي في حركة حماس المرحوم محمود المبحوح بفندق البستان في دبي الشهر الماضي.
وكان لجهود شرطة دبي والتصريحات التي ماتزال تتوالى على لسان قائدها تكشف ملابسات القضية، حيث تمكن هذا القائد من فضح الأسلوب الذي قام به الموساد باغتياله من خلال مجموعة من عملائه الذين دخلوا دبي بجوازات مرور أوروبية، ومايزال لسان الفريق ضاحي منطلقاً ومتحدثاً بشجاعة نادرة بلغت حد تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس الموساد باستدعائهما للمحاكمة في الإمارات من خلال الإنتروبول إذا ما ثبت ضلوع الموساد في ذلك.
والفريق ضاحي خلفان قد عودنا على مثل هذه التصريحات القوية والمتميزة التي لايشاركه فيها كثير من القادة العرب ولا قادة شرطتهم، فقد سبق أن أثار ضجة حين أعلنت إيران إنها سوف تحرك الخلايا النائمة لها في دول الخليج، فجاء رده أقوى من صاروخ عابر للقارات، حيث قال بالحرف الواحد «إذا تجرأت إيران بتحريك خلية واحدة عندنا فسوف نحرك ألف خلية فيها»، مشيراً إلى عرب (عربستان) بإيران وملايينهم المضطهدين مِن قِبَل الحكومة الإيرانية، عدا ملايين البلوش السُّنة الذين يعانون الاضطهاد والتهميش.
هذا التصريح الجريء صار لفترة غير قصيرة محل استشهاد كثير من المثقفين والسياسيين في دول الخليج العربية.
واليوم يعيد الفريق ضاحي تاريخه في إطلاق هذه التصريحات النارية في قضية اغتيال المجاهد محمود المبحوح. ورغم إن هذه التصريحات ليست سوى زوبعة في فنجان إلا أنها استطاعت أن تحرك الرأي العام العربي والأوروبي رغم كل السلبيات التي بها من يريد أن ينأى ببلاده عن طول يد الموساد الإسرائيلي ما دامت بلاده لاتتدخل في شؤونهم، وهو لايُشعِرك بأنه يرفض ذلك لأنه عربي وفي دولة عربية بل يحاول تأكيد عدم قبول بلاده بالتدخل الإسرائيلي، وهو أسوأ ما جاء في تصريحاته رغم التطبيل والتزمير الذي صار يروجه الإعلام العربي لتصريحات ضاحي بما فيه صحيفة (النبأ) ذاتها دون أن يروا في هذه الزوبعة التي تأتي بعد اغتيال هذا المجاهد من (حماس) وليس قبله، فقد كان الأجدر بشرطة دبي أن تحفظ حياته وتجعل من فنادقها مواقع آمنة لايخترقها عملاء الموساد بهذا الكم الكبير. لقد كان الأجدر بالفعل اكتشاف دخول عملاء الموساد بجوازات مزورة قبل حدوث عملية الاغتيال، أما بعد ذلك فالجميع يعلم أن الأوروبيين لايجرأون على محاسبة إسرائيل، وحديث استدعاء سفرائهم أو إرسال جهاز أمن للتأكد من ذلك ما هو إلا بمثابة تغطية لفضائحهم وإسكات الرأي العام عندهم وبعض الشرفاء من الإعلاميين الأوروبيين.
صحيح إن الزوبعة كشفت الأسماء المزورة الذين دخل عملاء الموساد تحتها إلى دبي، وزادت من كشف جرائم إسرائيل واختراقها للدول العربية، لكن ذلك يعني أيضاً أن دبي أكبر المناطق المُخترَقة بين كل هذه الدول، لا لشيء إلا لأن دبي دون غيرها من الإمارات في هذه الدولة الاتحادية التي تركت الأبواب مفتوحة لكل من يتحدث عن الاستثمار فيها، فالغاية عندها تبرر الوسيلة على الطريقة (المكيافيلية)، ولهذا نجد أن عشرات الاغتيالات السياسية حدثت فيها دون غيرها من بلدان الخليج، إذ مايزال اغتيال المعارض السوري في فندق يامال الشام لم يبلغ مرحلة النسيان بعد، واغتيال أحد المعارضين لنظام المرحوم صدام حسين في ميدان عبدالناصر مايزال ماثلاً في ذاكرتنا.
وحين أقامت دبي أبراجها التي تناطح السحاب وورطت نفسها في أزمات مالية مرعبة بلغت المليارات، لم تفكر في نوع المستثمرين الذين سيملأون الشقق الكائنة في تلك الأبراج دون النظر إلى جنسياتهم ونوعياتهم وبلدانهم، ودون أي خشية وحذر من أن يملأها أعداء هذه الأمة، ما يؤثر على استقلالها، وقد جاءت تصريحات الفريق ضاحي لتبرز دبي إعلامياً بعد أن كادت الضجة التي أثارتها أجهزة الإعلام العالمية والعربية بخصوص ما يشار إلى أنه غرق دبي في ديون لا قِبَل لها بها.
إذ ما كادت هذه الضجة تخفت حتى ظهر الفريق ضاحي بتصريحاته، ليثير ضجة إعلامية جديدة، فبرزت دبي إلى الواجهة مرة أخرى.
كان الأهم في نظري أنَّ جعل دبي ودولة الإمارات دولة آمنة خير لها من تجارة لايعلم إلا الله وحده آثارها السلبية والخطرة على عروبة هذا البلد، ولقد كان رئيس وزرائنا مصيباً في رؤيته حين أجابنا نحن الصحفيين في أحد لقاءاتنا معه حيث كنا منبهرين بهذه الأبراج العالية في دبي وتخلُّف البحرين عن هذه المنافسة، إذ قال سموه بما معناه «أنْ نسير ببطء خير من أن نجري كالبعض دون حساب للمستقبل».
إن بروز نجم الفريق ضاحي خلفان قائد شرطة دبي في سماء الخليج أعاد إلى ذهني اسم المطرب البحريني الراحل ضاحي بن وليد المولود بالمحرق سنة 1896.
وقد كتب عن الفنان البحريني الكبير الكاتب إبراهيم راشد الدوسري في كتابه (أعلام الطرب الشعبي في البحرين) فقال عنه:
تعلَّم ضاحي بن وليد على يد أستاذه المطرب محمد بن فارس أصول العزف على العود وغناء الصوت، وكان قبل أن يتعلم العزف على العود والغناء يقوم بخدمة أستاذه ويشاركه بالضرب على الإيقاع (المرواس) أثناء غناء المطرب بن فارس للصوت الذي كان مشهوراً به.
ورغم أن ضاحي بن وليد كان أمياً لايجيد القراءة والكتابة إلا أن ذاكرته كانت قوية، لدرجة أن بن فارس بعد ان استقل ضاحي عنه، كان يضع حراساً حول الدار التي يغني فيها ليتأكدوا من عدم تلَصُّص ضاحي أثناء غنائه، وكان يلقبه (بملَك الموت)، إذ يقول عنه «أخشى أن يحفظ ملك الموت ألحاني».
ولكن على الرغم من أن ضاحي بن وليد كان يكرر نفس أغاني محمد بن فارس إلا أنه كان يؤديها بأسلوب مختلف له سماته الخاصة والمميزة، وهذا ما جعله يصمد في الساحة الفنية ويكون له محبوه ومريدوه.
تعلم المطرب ضاحي بن وليد الفنون الشعبية في دُور الطرب، فبرزت موهبته في الضرب على الطار والطبل وخاصة الطبل الكبير المستخدَم في فن (اللِّيْوَه)، كما كان من المترددين على دُور الطرب الشعبي التي يمارس فيها البحارة فنونهم الشعبية، ولذا فقد أجاد فن السامري.
وهكذا أعاد الفريق ضاحي خلفان الإماراتي الى ذاكرتنا نجم الطرب الشعبي البحريني ضاحي بن وليد، الذي أنشيء مقهى يحمل اسمه في سوق المنامة كونه كان رحمه الله نجماً لامعاً آخر في سماء الخليج.
وعلى ذكر الفنانين الراحلين لايفوتي أن أشير إلى أن القوى الوطنية قد ودعت مؤخراً فناناً كبيراً هو عبدالمجيد مرهون الذي كان إلى جانب طاقاته ونتاجاته الموسيقية بما فيها وضعه سيموفونيات عالمية شهيرة مناضلاً قضى في الاعتقال خمسة وعشرين عاماً بسبب إتهامه بقتل مساعد رئيس المباحث الشرس وكان أردني الجنسية، والذي كان واحداً من أشرس معذبي المعتقلين السياسيين في ستينيات القرن الماضي.
رحم الله عبدالمجيد مرهون وأسكنه فسيح جناته فقد أثبت أن الفنان لاينعزل عن دوره الوطني إذا كان فناناً أصيلاً.


