نعم الحضور عنوان التميز والثقافة مناعة ضد التطرف
شد انتباهي بشدة الأسلوب الحضاري المتميز الذي تقوم به وزارة الثقافة والإعلام في الدعوة لحضور فاعليات ربيع الثقافة هذا العام.
إن محطة تلفزيون البحرين تقوم هذا العام بشكل مختلف وبجهد كبير للغاية في تشجيع الجمهور على حضور فاعليات ربيع الثقافة، وهو ما يعني أن وزارة الثقافة والإعلام بدأت تدخل في تحد مع التراجع المريع الذي سجلته بلادنا في المجال الثقافي مقارنة بمرحلة ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بانحسار الاهتمام بالمجالات الثقافية من مسرح وفنون وآداب وقراءات جادة.
إن هذا التحدي الذي دخلته الوزارة يكشف عن رغبتها في إعادة ثقافة الرغبة في الاهتمام العام بالآداب والفكر والفنون، بما في ذلك المسرح الذي كان يؤمه جمهور القرن الماضي بكثافة، إضافة الى نفاد معظم الكتب التي كانت تتدفق على مكتبة المرحوم إبراهيم عبيد ومكتبة جاشنمال باللغة الإنجليزية أولاً بأول.
ويتضح لنا اليوم أن الشعب البحريني الذي كان في مقدمة شعوب الخليج بالاهتمام بالثقافة الجادة قد تراجع عن هذا الاهتمام إلى درجة أن كثيراً من المكتبات التي كانت تعتمد على مبيعات الكتب تحولت إلى مجرد قرطاسيات، والعديد من المسارح قد أقفلت أبوابها، إلى جانب الدُّور الشعبية للفنون .
لهذا لو نجحت وزارة الثقافة والإعلام في إعادة هذا المواطن إلى سابق عهده، وخلقت جيلاً جديداً يتخذ من آبائه قدوة، وبهذا تكون قد أسدت لهذا الوطن خدمة عظيمة للغاية. هذا هو الدور الحقيقي الذي يجب أن تلعبه الوزارة اليوم، وهو أن تخلق فاعليات ثقافية من مسرح وفنون طوال العام، مع تكثيف نماذج متنوعة من فاعليات الثقافة والفنون المتميزة خلال مهرجان ربيع الثقافة.
لقد استطاعت الوزارة النجاح في مهمتها لإعادة عشق الثقافة وإرساء قاعدة واسعة من العشاق لها، وبهذا فقد أدت اعظم دور لها منذ تأسيسها.
ومما لفت انتباهي التعابير التي استخدمت لحث الجمهور على الحضور بتلك الكثافة الكبيرة بين مختلف البرامج.
كانت عبارة (الحضور عنوان التميز) قد استوقفتني ورأيت أنها ليست جميلة فحسب بل دقيقة وراقية ومؤثرة جداً، فحضور الفاعليات الثقافية والفنية ومختلف الفنون الراقية من مسرح وسيمفونيات يؤكد إن الإنسان القادم لمشاهدة هذه الأمور شخص متميز.
وحين يتابع المرء ما بلغ من انخفاض في مستوى القراءة والاهتمام بالثقافة مقارنة بدول أوروبا يصاب بالرعب والهول من تدني النسب مقارنة بهم، وهو ما يجعل الواد منا يتساءل: ماذا وراء ذلك؟ لماذا فقدت الجماهير شهيتها للقراءة والاهتمام بالثقافة والفنون؟ هذا في الوقت الذي نسمع فيه أن بعض الروايات والكتب التاريخية في أوروبا تصل مبيعاتها لأكثر من مليون كتاب وتنفد الطبعة الأولى والثانية، بينما الكاتب العربي لا يجرؤ على طباعة أكثر من خمسة آلاف نسخة. لهذا أقول وبكل إيمان إذا تمكنت وزارة الثقافة والإعلام في بلادنا أن تنجح في هذا التحدي فإنها تكون قد قدمت خدمة للوطن، وساعتها من حق الشيخة مي وزيرة الثقافة والإعلام أن تنال أعلى أوسمة التقدير والتكريم.
ومن جميل العبارات التي كنت أتابعها في دعوة الوزارة لحضور معرض الكتاب المصاحب لمهرجان ربيع الثقافة، والداعية لحضور المحاضرات هي (إننا نطرح الأسئلة لأنها قوتنا الوحيدة). بالفعل إنه كلام منطقي ودقيق للغاية في مرحلة لم يعد يملك فيها العربي جواباً، فهو يدور في حلقة مفرغة جميعها أسئلة لايجد جواباً لها على غرار: ماذا وراء تخلفنا في العالم العربي؟ لماذا إستطاعت إيران أن تصبح دولة تصنع الصواريخ والدبابات وتكاد تصل لصناعة القنابل النووية خلال سنوات قليلة بينما أنظمتنا العربية رغم كل إمكاناتها وبخاصة دول الخليج لاتصنع مجرد أبرة؟
لماذا تضيع القدس ونحن صامتون؟ هل مات المسلمون ولم تعد تهمهم قيمهم وتراثهم ومقدساتهم؟ لماذا نترك الشعب الفلسطينيي الأعزل يقف وحده يواجه كل تلك التحديات أمام عدو ظالم لايرحم؟ وإذا كان حكامنا قد تقاعسوا وصار معظمهم يأتمر بأمر الأمريكان، فما الذي يمنعنا نحن كشعوب من أن نخرج في مسيرات متواصلة من أجل عروبتنا ومقدساتنا؟
نعم إننا عاجزون عن الرد على هذه الأسئلة. لقد أصبحنا أساتذه في طرح الأسئلة لكننا جهلة في الرد عليها ووضع حلول لها.
من هنا كان ما يتم تكراره خلال دعوة الجمهور لحضور فاعليات معرض الكتاب بحيث يتم تكرار عبارة دقيقة في ذيل الدعوة (نطرح الأسئلة لأنها قوتنا الوحيدة). نعم لقد آمنت أن الحضور هو عنوان لتميز المواطن، ثم إننا نحن العرب أصبحت الأسئلة هي قوتنا الوحيدة.
إن إعادة روح الستينيات والسبعينيات للشارع البحريني بإعادة شهيته للثقافة الجادة الملتزمة، وانتشاله من الانجراف وراء كثير من الفضائيات التي تقدم أشكالاً من الثقافة الهابطة من خلال مسلسلات الحب والغرام هي مناعة له من الانجراف وراء أصحاب الخطاب المتطرف من السياسيين، فليس أسهل من اصطياد الجاهل أسهل في الماء العكر، خصوصا في هذه المرحلة الخطرة، وفي بلادنا وبقية دول الخليج، من هنا كان الحضور عنوان التميز بحق.


