العدد 187 - 2012-02-01 - 09-02-1433

الخــروج

الحصاد
عبدالفتاح سـمك

من رحم المخاضات الأوروبية استُهِل عصر النهضة صائحاً بحراك اجتماعي خرج بمجتمعات انقسم فيها الناس إلى طبقتين: طبقة الإقطاعيين بفئاتهم المحددة تحديداً دقيقاً، وطبقة جمهور الشعب عبيداً ودهماء، لا رأي لهم ولا حرية  ولا أحلام  ولا حق، بل واجب الخنوع والانصياع والخدمة، وصاحَب ذلك فلسفة عقلية تقريرية تبرر هذه التركيبة وتعبر عنها. فالفرح والحزن، والمأساة والملهاة، والنجاح والفشل لأولئك البشر المترفين، فكان الأدب اتباعياً  تعبيراً عن ذلك الواقع ومحاكاة له، ومن ثم صحا التراث اليوناني القديم بأساطيره وملاحمه وانشغل الأدباء بمحاكاته لتنبعث الكلاسيكية الجديدة متكئة على فلسفة أرسطو وشك ديكارت وخرافات هوميروس.
غير أن حركة العقول التي بلغت أوجها عند جان جاك روسو وأمثاله تمردت على حدة العبودية، بالدعوة لحدة الحرية التي تمثلها البدائية المنفلتة من كل كابح من القيم والمرجعيات، وأنتج ذلك حراكاً اجتماعياً عنيفاً تمثل في الثورة الدموية الرهيبة في فرنسا، فاستبعد العقل وجنح الخيال، وتحول الجمال إلى المتعة التي صارت غاية الأدب، وامتدت الثورة إلى الخروح على تقاليد الأشكال الأدبية ومضامينها، وصحب تلك العواطف الحادة انحطاط خلقي حاد في النتاح الأدبي، كما عند فولتير وبودلير وغيرهما، وحيث تتأبى الفطرة على ذلك غلَّف الأسى والحزن وكراهية العالم كثيراً من نتاج ذلك الاتجاه  الرومانسي الذي كان له منظروه والتربة التي تحتضنه.  
 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb