العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

تكريـــــم أُمّـــــة

جلال أحمــد

}هل جزاء الإحسان إلا الإحسان{ تذكرت هذه الآية عندما كنت جالساً أمام التلفاز أقلب القنوات، وإذا بي أشاهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز يقدم جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لرجل هو جدير بها أيما جدارة، هذا الرجل الذي انبرى بشجاعة يدافع عن الإسلام وعن الأمة في كل موقف ومحفل دولي، وأبلغ ما يعبر عن ذلك مواقفه في الحرب العدوانية الصهيونية على غزة، حيث وقف مسانداً للفلسطينيين متعاطفاً معهم ومحذراً (إسرائيل)، طالباً منها وقْف الحرب على غزة دون خوف ولا وجل، رغم حساسية العلاقات بين بلاده معها ومعارضة الجيش والأحزاب العلمانية لمواقفه، وتوَّج موقفه بانسحابه من منتدى دافوس معترضاً على إعطاء رئيس العدو شيمون بيريز وقتاً أكثر منه، وكان قد شن هجوماً قوياً على (الرئيس الإسرائيلي) في ذلك المنتدى.
وما كلماته المحذرة لـ(إسرائيل) حول القدس والانتهاكات للمسجد الأقصى عنا ببعيد، وكان آخر مواقفه كلمته في القمة العربية التي عقدت في ليبيا مؤخراً، حيث دعا إلى تحالف عربي تركي إسلامي يرد على محاولات المساس بمقدسات الأمة الإسلامية ويبني مستقبلاً مزدهرًا للمسلمين، وشن في هذه الكلمة هجوما شرسا على (إسرائيل)، واصفا اعتبارها القدس عاصمة موحدة لها بـ(الجنون)، وأضاف بأن «القدس هي قرة عين كل العالم الإسلامي ولايمكن قبول اعتداء (إسرائيل) على القدس والأماكن الإسلامية إطلاقاً، محذراً من أن «احتراق القدس يعني احتراق فلسطين وبالتالي الشرق الأوسط برمته، ولايمكن تسوية المشكلة في ظل الاعتداءات الإسرائيلية». وختم كلمته بالقول: «اليوم ليس يوم العزاء وسكب الدموع.. اليوم تحالف وتحرك معاً لتأسيس السلام بشكل عادل، وفي تركيا نرى أن تسوية القضية الفلسطينية مفتاح الأمن والسلام في المنطقة، فنحن شعوب أسسنا معا حضارات وثقافات السلام، ونحن أنصار دين اسمه السلام».
 ولقد قوبلت كلماته بالإعجاب والتصفيق لأنه ينقل ما يجيش في صدر كل عربي ومسلم شريف، حيث يجدون في كلماته تعبيراً عن أحاسيسهم وشفاءً لصدورهم.
 وهو قبل ذلك رفض أن يسمح للقوات الأمريكية باستخدام أراضي بلاده في الحرب على العراق، وبذلك غير وجه بلاده فأصبح وجهاً محبباً لدى الشعوب العربية والإسلامية.
هذا الرجل الذي له من اسمه نصيب فهو الطيب وهو بالفعل طيب مع شعبه وطيب مع جيرانه بل ومع كل  الدول العربية والإسلامية، وطيب في نصرته للمظلومين والمضطهدين من أهل فلسطين.. إنه رجب الطيب أردوغان رئيس الوزراء التركي، الذي سعى جاهداً منذ تسلمه زمام الحكم لإقامة علاقات قوية ومتينة مع الدول العربية والإسلامية، ولقد كان لقيادة البحرين الحكيمة قصب السبق في تقوية العلاقات مع تركيا في عدة مجالات، فتركيا في ظل الحزب الحاكم حزب العدالة والتنمية حكومة تحظى بالثقة والاحترام من قبل الجميع.
وفي هذا السياق يأتي افتتاح قناة تركية ناطقة بالعربية والتي أمر بها أردوغان دعماً للتعاون العربي التركي، وإسهاماً في تعريف كل من المجتمع العربي والتركي على بعضهما وثقافتهما والقواسم المشتركة بينهما واستفادة كل طرف من الآخر.   
إن منح أردوغان جائزة الملك فيصل له عدة دلالات، فهو اعتراف بفضل هذا الرجل وما قدمه من عطاء وإنجاز لبلده ولأمته وللحضارة الإنسانية، وهو تشجيع على التنافس وبث روح الإبداع في نفوس الشباب المتوثب للإبداع والتميز، كي يحذون حذو أولئك الرجال، وهي كذلك تمثل جسر تواصل بين الأجيال والأمم والحضارات، ثم إن حصوله على هذه الجائزة القيمة يؤكد أن الأمة قادرة على تقديم المزيد من العظماء الذين يمثلون روح الخير والتسامح والعطاء من اجل سعادة البشرية، ويؤكد كذلك على مبدأ إسلامي هام هو أنه لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح.
إنه لَعمل جميل أن نكرم متميزي أمتنا في حياتهم وليس بعد مماتهم، بحيث يتم إظهار وإبراز إنجازاتهم وأعمالهم ليكونوا نبراساً لشباب الأمة فيقتدوا ويستفيدوا منهم ويتعلموا من تجاربهم كي تعود هذه الأمة إلى الصدارة كما كانت في غابر الأزمان، فالشباب يحتاج إلى قدوات حية في واقع الحياة، إذ إن من أزمات الأمة عدم وجود القدوات، لذا فإن شبابنا وبناتنا صاروا يقتدون بالمطربين والمطربات والممثلين والممثلات واللاعبين واللاعبات وغيرهم مما تنتصب صورهم أمامهم.
وبهذه المناسبة تعالوا نتعرف على هذا الرجل ونستعرض نبذة بسيطة من حياته، لنقرر من جانبنا أيستحق أن يكون قدوة أم لا؟
فلقد نشأ في أسرة فقيرة في حي قاسم باشا الفقير في اسطنبول، وكان يبيع البطيخ والسمسم والمشروبات الغازية حتى يسد رمقه ورمق عائلته ويعين والده أثناء دراسته، وهكذا فإن الرجل خرج من رحم المعاناة والمكابدة. ورغم الظروف الصعبة التي كانت تمر بها أسرته الكبيرة فقد كافح وتعب واعتمد على نفسه ولم يستسلم لواقعه، وبذلك أصبح رجلاً قوياً لايستسلم للتحديات وفي ذلك أبلغ المثل للشباب. هذا في حين إن بعض شبابنا اليوم يريد كل شيءٍ جاهزاً فلايكلف نفسه أي عناء حتى على مستوى أبسط الأشياء، وللآباء والأمهات دور في ذلك، فقد جعلوهم اتكاليين ولم يعَوِّدوهم الاعتماد على النفس رغم الظروف والإمكانيات المهيئة لهم فلاتجد لديهم طموحاً ولا همةً لتعليم أوعمل.
وقد التحق أردوجان بالعمل السياسي منذ الجامعة، حيث انضم إلى حزب السلامة الوطني الذي كان يقوده أستاذه نجم الدين أربكان، والذي كان من أهم الشخصيات التي أثرت عليه في حياته، وبنشاطه وعمله ومثابرته ارتقى في الحزب حتى صار مسؤول الحزب في اسطنبول، وتم ترشيحه للانتخابات ففشل في المرة الأولى ثم رشح مرة ثانية ولم يحالفه الحظ أيضاً، ولكنه لم ييأس ورشح مرة ثالثة للبلدية فنجح، وهنا درْس في الصبر والمثابرة وعدم اليأس والإصرار على الاستمرار.
ولما نجح في انتخابات 1994 وصار ئيساً لبلدية إسطنبول وهي مدينة كبيرة ومن أهم المدن التركية، فمن هنا ذاعت شهرته كرئيس بلدية ناجح على مدى أربع سنوات استطاع خلالها أن ينتشل المدينة من الإفلاس، وأن يحل الكثير من مشكلاتها مثل الكهرباء والمياه والنظافة، كما تحولت المدينة في عهده إلى ما يشبه الواحة الخضراء بسبب مشروعات التشجير الكبيرة التي نفذها، وذلك بفضل الله وما وهبه من عبقرية ويد نظيفة ولقربه من الناس ولاسيما العمال الذين رفع أجورهم ووفر لهم سبل الرعاية الصحية والاجتماعية.
وقد شهد خصومه وأعداؤه قبل أصدقائه بنزاهته وأمانته ورفضه الصارم لكل المغريات المادية من الشركات الغربية التي كانت تأتيه على شكل عمولات كحال سابقيه، حتى اندهشوا منه ومن أخلاقه وشفافيته، كما اتضحت أثناء تلك الفترة صورته كنصير للفقراء والمحتاجين إذ وفر لهم الكثير من المشروعات المادية والعينية النافعة، ونصير كذلك للمظلومين، وصار الأكثر تعاطفاً مع المرضى والمعاقين فقد كان أول رئيس حزب يرشح معاقاً ليصل إلى البرلمان وهو الكفيف لقمان أيوا، وفضلاً عن ذلك فقد ظل أردوجان في مسكنه المتواضع في حي قاسم باشا الفقير ورفض أن ينتقل لآخر يليق برئيس بلدية لمدينة ضخمة مثل اسطنبول، وحينما تولى رئاسة الوزراء نجح كذلك في إنقاذ الاقتصاد التركي الذي كان على حافة الانهيار، وبذلك مثَّل نموذجاً للمسؤول الناجح الذي نقل بلاده من حال سيء إلى حال أفضل، والذي رغم انشغالاته كرجل دولة فإنها لم تصرفه عن الناس وأحوالهم، ففي كل يوم يثبت أنه ابن الجماهير وابن الشعب المتفاعل مع قضاياهم، وفي هذا الشأن فقد أمر بان تستقبل رئاسة الوزراء الشكاوي والاقتراحات عبر خط هاتفي مجاني ساخن.
وهذا الرجل ذو نشاط ومجهود هائل يصيب من حوله بالإرهاق، حيث دائم التنقل بشكل شبه يومي بين محافظات تركيا التي تبلغ 81 محافظة، ولايغفل على كونه شخصاً اجتماعياً يحب الناس ومتواضعاً، فهو رغم رئاسته للوزراء في دولة يزيد سكانها عن 80 مليون نسمة يحضر المناسبات الاجتماعية، فقد يذهب لحضور جنازة قروي فقير في قرية نائية ويواسي أهله في مصابهم وهو ما يخلق شعوراً بالفخر والإجلال تجاهه لدى سكان القرية والقرى المجاورة، وهو بهذا يذكرنا بأسلافنا ممن تربوا في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، كما أنه خطيب مفوه ينتقي الكلمات المناسبة للأوضاع المناسبة.
أتدرون ما الذي الذي أوصل هذا الرجل إلى هذا النجاح؟ لقد أوضح ذلك في إجابته على سؤال وُجِّه إليه حين سئل ما سر هذا النجاح الباهر والسريع؟ فأجاب إن لدينا سلاحاً أنتم لاتعرفونه.. إنه الإيمان، لدينا الأخلاق الإسلامية وأسوة رسول الإنسانية عليه الصلاة والسلام. إذاً فهو الايمان الذي بلغ به هذه المكانة حيث عُرِف بتدينه منذ الصغر، فقد حكى أنه عندما كان يدرس في مدرسة حيه الشعبي سأل المدرس الطلاب ذات يوم عمن يستطيع أداء الصلاة في الفصل ليتسنى للطلاب أن يتعلموا منه، فرفع رجب يده، ولما قام ناوله المدرس صحيفة ليصلي عليها، فما كان منه إلا أن يرفض الصلا ة عليها لِما فيها من صور لنساء عاريات سافرات! فدُهِش المعلم وأطلق عليه لقب الشيخ رجب. إن مثل هذا الموقف يدعونا لأن نجتهد في أن نربي أولادنا التربية الاسلامية الصحيحة ونجتهد في ذلك لنصنع منهم رجالاً ونساءً عظماء نافعين لأمتهم.
هذا نموذج من الرجال ينبغي أن تفتخر به أمتنا وأن نُعَرِّف بمثل هؤلاء أجيالنا حتى نحفزهم ونغرس فيهم روح المنافسة والتحدي والطموح، كي يأتي العظماء تلو العظماء لنحرر مقدساتنا ونبني مجتمعنا وأمتنا ونرفع هامتها عاليةً بين الأمم. 
 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb