العدد 187 - 2012-02-01 - 09-02-1433

متنزهات منكوبة

أحمد محمد يوســف

منذ أيام الحياة الطلابية الزاهرة في المملكة العربية السعودية الشقيقة، وأنا أتردد مع إخوة لي على ربوعها، وخاصة في المتنزهات الجنوبية الخلاَّبة، وبسبب روعة هذه المرابع البالغة الجمال أجدني قد عزفت تلقائياً عن أية أماكن أخرى للترفيه إلا ما ندر، حيث هناك تتعايش وتتعاطى مع بيئة بِكرٍ وإقليمٍ عربي مسلم، وعادات وتقاليد لاتُشعِرك بالغربة ولا الغرابة، ناهيك عن البساطة العربية التي هي ميزة عظيمة في أمتنا.
في تلك الربوع والوديان تتنوع أمام ناظرَيك المشدوهَين بالمنظر الخلاب الكثير من الأشجار المعمِّرة والنباتات العطرية والأزهار الجبلية الفوَّاحة والطيور الكثيرة العدد والأنواع، مما يضفي على المشهد المثير الكثير من أنغامها وألحانها العذبة، لتتناغم سوياً مع روعة البيئة بأمطارها وضَبابها الأبيض، الذي ما يلبث حين يأتي حتى يزول ليحل محله غيرُه، أو ببرَد يكسو سواد الأرض بياضاً، كأنما نُثِر على صفحتها أكداسٌ من اللؤلؤ اللامع الجميل.
لقد كان آخر عهد لي بهذه المتنزهات العسيرية والعقبات الجبلية صيفُ العام الماضي، علماً بأني كررت هذه الزيارات في أصياف شبه متتالية في السنوات الأخيرة، لذا فلديَّ تغطية دقيقة نوعاً ما على تطور الأداء السياحي والتعاطي الأهلي سلباً وإيجاباً مع هذه البيئات الفذة الجمال.
في السنوات القديمة في عقد سبعينيات القرن الماضي كانت تلك المتنزهات بالنسبة للتعاطي الأهلي نظيفة نظراً لقلة الأعداد المستمتعة بهذه المتنزهات، وذلك قبل نمو الوعي السياحي المنظم، ونظراً لارتفاع المستوى العام في احترام البيئة يومذاك وذلك قبل ولادة هذا الجيل الذي قلَّ أو تراجع عنده مبدأ الاحترام وزاد عنده مسلك اللامبالاة، لذا عاصرنا حينذاك بيئات في الجنوب السعودي نظيفة جداً، بإمكانك الجلوس فيها دون عناء انتقاء مكان مناسب غير متقذر، وكان بإمكانك تصوير المناظر دون عناء انتقاء لقطات خالية من الزبالة المرمية هنا وهناك.
كنا وقتذاك في السبعينيات نجد الصخور كما خلقها الله لم تعبث بها الكتابات الطفولية التي تحكي ذكريات زائري هذه الأماكن. اليوم نشاهد في هذه البيئات العظيمة أكواماً من الزبالات والموائد والسُّفَر التي فرغ الآكلون منها ثم تركوها كعصفٍ مأكول! وترى علباً فارغة وزجاجات مكسورة، بل وترى في الأرض خليطاً في التراب من قمامات قديمة حوَت عظاماً كبيرة وصغيرة وجماجم أغنام أُكِلت وأكياساً قديمة وجديدة. في الجملة ترى مأساة حقيقية تحتاج لإنقاذ فوري له أثره على السمعة الإيجابية على الصعيدين الأهلي والرسمي، وأما ترْكُ الأمر كما هو فبالطبع له أثره السلبي على السمعة على أصعدة عدة.
في متنزه الأمير سلطان بن عبدالعزيز – وهو جديد نسبياً – والذي هو في الأصل تحفة بيئية تفوق التصور، أصبح من الصعب عليك أن تجد محلاً للجلوس يخلو من مخلفات إلا ووجدت فيه مخلفات مقززة، ومن الصعب أيضاً أن تلتقط صورة للمشهد الخلاَّب دون أن تتلبس صورة المنظر بقمامة هنا أو هناك، كما يصعب عليك أن تجد صخوراً لم يكتب عليها الجهَلَة ذكرياتهم الفارغة بأعتى أنواع (الرش) المحتوي على الصبغ والبويا. تجد أسماءً لاتحصى، وعناوين كثيرة، وتواريخ الكتابة والتدوين، وأرقام هواتف لاتعد، وتجد التباهي بين أهل المدن والقرى، فذاك يكتب (جدة عروس الغربية)، وهذا يكتب (حائل عروس الشمال)، وهكذا تتوسخ الصخور الجميلة، وبالتالي يتلوث هذا المتنزه الوطني بفعل تلك الأيدي العابثة، كما يبلغ العبث مداه حين تجد اللوحات الإرشادية وقد طالها ألوان من العبث والتخريب والقلع، فإنْ كانت مصنوعة من الحديد كُتِبت عليها الذكريات الفارغة، وإن كانت من القماش وشِبْهِهِ طالها عبث التمزيق، وإن كانت من المعدن فمصيرها إما القلع أو «الخفْس» أو القشْع، وكل ذلك حسبما يتخمر عنه المزاج أو توحي به الرغبة أو يتمخض عنه الابتكار!!
ولقد التقطتُ صوراً كثيرة لهذا العبث كتوثيق لأية حالة محتملة، مع أنها أمور مشاهَدة أصبحت في عِلْم القاصي والداني. وإني لأعجب من كتابات على مرافق هذه المتنزهات مؤرخة من سنة 1410هـ، فيزداد عجبي من بقائها طوال أكثر من عشرين عاماً دون أن تُمحى من قبل القائمين المباشرين على تلك المتنزهات! وهكذا نظل نراها كل عام حتى حفظناها عن ظهر قلب!
وإضافة إلى أذى القمامات البالغ تجد أذى المتسولين من ذوي السحنة السمراء الذين يجوبون المتنزهات طولاً وعرضاً ملقين ظلالاً كئيبة أخرى وثقيلة على نفسية المصطافين! وهؤلاء المتسولون لايتضح عليهم العَوَز بقدر ما يتضح عليهم الامتهان القبيح للتسول وذلك من أسلوب التسول نفسه القائم على الإلحاح الشديد جداً وعدم المغادرة والانفكاك مهما كان حتى يتلقف منك أحدهم أي شيء ولو لقمة من غدائك! فأين الرقابة وأين الحماية للزبائن والرواد المصطافين المساهمين في إثراء قطاع السياحة وإنجاحه؟!
وبعد إبداء تلك الملاحظة على مستوى المصطافين القدماء بالنسبة للمتأخرين منهم نجد في الجانب الآخر قديماً إهمال الجانب السياحي يوم كان رواد ونزلاء المتنزهات رفيعي المستوى، لنجد في الزمن الحاضر الاهتمام الجيد بالمرافق السياحية من أجل رواد دون المستوى المرجو. وهنا دعوة إلى رفع مستوى المرتادين لا توقيف الخدمات، ثم إن رفع المستوى يحتم وضع خطة مُحكمة ومسؤولة وجذرية لحل هذه الأزمة الكبيرة في شكلها السهلة في حلها، فهي لن تكلف أكثر من عدة أمور، نحسبها هامة، ونوردها في التالي:
1 – تسيير دوريات شُرَطية أو نظامية راكبة وراجلة، لمزيد من ضبط الأمن السياحي بكل صوَرِه في المتنزهات الكبرى والمهمة كمتنزه السودة والفرعاء، والتي كانت تسمى سابقاً القرعاء، وغابة شهبة ورغدان بالباحة.
2 - رفع مستوى العمال الموكلة إليهم أشغال التنظيف ومراقبتهم باستمرار، وجعْل التنظيف فورياً ومتواصلاً، حيث إنه لوحظ تحوُّل أغلبهم إلى متسولين ومحتالين!
3 - زيادة أوعية القمامة بشكل عملي، بحيث توضع في أماكن جلوس محددة، ولايُسمح بالجلوس في غيرها.
4 - منع ظاهرة التسول في المتنزهات الوطنية.
5 - الإكثار من الدعاية الإعلانية السياحية التثقيفية أكثر من الدعايات الربحية.
6 - فرض عقوبات وجزاءات صارمة بحق المخالفين سواء من المرتادين أو العاملين المتلاعبين.
7 – النظر في أسباب ظاهرة الانصراف عن السياحة المحلية إلى الخارجية، وإجراء دراسة جادة لمشكلة الإغلاء في التأجير!
ختاماً لايمكن لأي كان أن ينكر الجهود الجادة والمخلصة والسائرة في الاتجاه السليم، والتي تخدم باستمرار قطاع السياحة في المتنزهات الوطنية السعودية، والتي تتناغم تماماً مع النهضة العمرانية الشاملة لحكومة المملكة العربية السعودية الموقرة.
 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb