أعجاز نخل خاوية
كما هي الحقيقة مفازات، يعلم الجميع أن كل أمر مزيف في استشراف ليفضح مدلوله، بالطبع لايمكن له أن يظل يسيطر على الأمر برمته ويجعله مخالفة للحقيقة الواقعة التي لا مناص عنها. تكفى لحظة التفاتة خضراء ولكنها ليست عابرة بعين واحدة إن شئت أن تمنح البصيرة امتحاناً غير مقروء، يكفى أن ترى تالد النخل كما رأيت في سابق الأيام في أربع مدن عربية ليس محض صدفة، بل تفكيراً واتساقاً مع ثقافتنا المحلية والدينية.
ترى النخيل مقهوراً بعد رحلة شراء طويلة ومملة ربما من بلاد التمور (الرافدين)، مقارنة مع ما تستغرقه الرحلة وقيمتها الحقيقية، حتما تكون المقاربة خيالية لثمن نخلة واحدة، ينتهي بها المطاف على إحدى الشوارع العربية، وأيام وتمضي إلى ربها. هل جاءت لتزين ما في الخفاء ودوار سفرنا المرهق أم شيئاً آخر. ولكن دعونا نقول برفقة عمتنا النخلة، لاتستقيم الحياة إلا في أرضها الأولى كما الحنين إلى المكان الأول، النخلة لها إحساس نبيل تجاه الحياة يجسده عطاؤها الدافق بأطيب الثمر.
من أوشى للسادة بجميع بلديات الوطن العربي في أن يرسموا هذا الشقاء الأبدي؟ تشويهاً لشوارعنا الشغوفة، والتي تحن إلى الصبايا؛ شتول التمور مثلاً نقول، بدءأ من المنامة انتهاء بأغادير، تسودها دمى النخيل الميتة، والموسومة بفسيفساء الزجاج، وغبار الشوارع.
نظرة واحدة لجسر خارطة البحرين كمدخل لمدينة عيسى (الحديثة)، كما درسنا في جغرافية السودان أيامئذ، من ناحية خليج توبلي، تصيبك بالفتور الوطني، تلقي عليك عسراً في فهم الجمال الإنساني، رغم أنه يساهم في فك الاختناق في تلك الجهة، خاصة ساعات الدوام. هذا الجسر يشهد هذه الأيام آخر حملاته التي قاربت على الانتهاء، وأوشكت أن تماثل ما بين تلك الصورة الجميلة التي رسمتها وزارة الأشغال قبل أن تبدأ في إنجاز هذا المعمار الرائع، وصورته الراهنة، لولا بعض المثالب.
وراهن الحال، يلقي بالسؤال من أعلى عراجين النخيل وأعجازه الخاوية، التي توهطت ممرات هذا الشارع أسوة برفقائه هنا في المنامة، وفي الشارقة، وجدة، والخرطوم، ألم تجد البلديات حتى ولو من أمام مكاتبها المؤهلة شتلات صغيرة نبتت بغير أذنها لتزين بها عري شوارعنا الرحبة؟
مفازة..
الحقيقه قد تقلق البعض، مثل ما تزعج أحيانا المرأة القبيحة في منبت الخير.


