سقوط أمريكا
من الصعب أن نفصل بين الرياضة والسياسة، خاصة إذا كانا يرتبطان ببلد واحد هو قائد النظام العالمي الجديد.. وهذه حقيقة؛ لأن السقوط الكروي الأمريكي أصبح شقيقاً للسقوط السياسي والعسكري الأمريكي، وهما نتيجة للسقوط الأدبي والأخلاقي؛ فبالأمس القريب، وبعدما عجزت آلة الحرب عن قتل المحاربين الأفغان، فإذا بها تطال المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة، فحصدت في اليومين السابقين فقط 17 مدنياً أفغانياً، منهم ثمانية من أسرة واحدة استُشهِدوا في عملية دهْمٍ شنتها القوات الأمريكية على أحد المنازل بحجة أن قائداً ميدانياً من حركة طالبان كان في هذا المنزل!
كان الفرح بسقوط أمريكا في المونديال، بقدر الحنق على سياسات أمريكا تجاه دول العالم، وهو ما عبر عنه الكثير من الجماهير التي تابعت المباراة من أرض الملعب، أو عبر الفضائيات حول العالم، فنقلت لنا شاشات الجزيرة مواطناً عربياً وهو يلوح بيده إلى أسفل مردداً «تسقط أمريكا»، والمئات الذين خرجوا بعد المباراة فرحين بسقوط أمريكا الكروي، ولسان حالهم يقول: والسقوط العالمي قادم.
ولا عجب أن تنقل لنا بعض وسائل الإعلام أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد أخذ من وقته وانشغالاته وتفرغ لمتابعة مباراة أمريكا أمام غانا، وبدا رئيس الولايات المتحدة متخوفاً من الهجمات الغانية وذلك على غير العادة في السياسة الأمريكية، وتفاعل بشكل كبير وبدا عليه الغضب بعد الهدف الغاني الثاني الذي اغتال الآمال الأمريكية، وكأن الرجل يريد أن يفرح بانتصار ما بعدما مُنيت بلاده بسلسلة من الهزائم المتتالية في العراق وأفغانستان ومن قبلهما الصومال، ولكنه لم يذق طعمه بعد، فعلق قائلاً: «أشعر بالإحباط.. إنه أمر يحرق الأعصاب!».
السياسات الأمريكية المتعجرفة في تعاملها مع دول العالم، والتي يركع أمامها الكثير من الساسة المستسلمين لأمريكا، لم تخضع لها الشعوب الناقمة على أمريكا وسياستها، حتى وإن لم تُصَبْ بنار السياسة الأمريكية مباشرة، فإن لهيبها وصل إليها، وهذا ما حدث في كثير من المدن العربية والأفريقية بعد هزيمة أمريكا أمام غانا، حيث عمت أجواء من الفرح والسعادة الغامرة ابتهاجاً بالقضاء على الغطرسة الأمريكية، وقد لاحظ الجميع أن في النفوس كرهاً شديداً ضد أمريكا ولاعبيها.
الشيء الذي أسعدني ليس هزيمة المنتخب الأمريكي، وإنما هذه الفرحة الطاغية التي حدثت لكثير من أهالي المدن الفلسطينية, حيث ارتفعت الأصوات بشكل صراخ وتكبير وصياح، وناموا بعدها ليلة هانئة، ربما لم يحظوا بمثلها على مدار السنوات الماضية.


