العدد 187 - 2012-02-01 - 09-02-1433

ظاهرة «المعلوم»

روى البيهقي في سننه أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان من عمال عمر بن الخطاب رضي الله عنه – أهدى لامرأة عمر نمرقتين؛ فدخل عمر فرآهما فقال: «من أين لك هاتين؟ أشتريتيهما؟ أخبريني ولاتكذبيني! قالت: بعث بهما إليَّ فلان. فقال: قاتل الله فلاناً؛ إذا أراد حاجة فلم يستطعها مِن قِبَلي أتاني مِن قِبَل أهلي؛ فاجتذبهما اجتذاباً شديداً من تحت من كان عليهما جالساً، فخرج يحملهما فتبعته جاريتها فقالت: إن صوفهما لنا ففتقهما وطرح إليها الصوف، وخرج بهما فأعطى إحداهما امرأة من المهاجرات وأعطى الأخرى امرأة من الأنصار».
هذه الصورة تتكرر في مجتمعاتنا اليوم - في شقها الأول فقط - بكثرة نعجز عن رصدها، حتى أصبحت كثير من المعاملات لاتُقضى إلا بالرشوة (المعلوم) سواء في دوائرنا الحكومية أو الخاصة، وأصبح من لايملك يعطي من لايستحق، وضاع العدل، وغابت الشفافية، وعمَّ الفساد في حياة الناس.
ولم يكن بمستغرب - حسب تقرير المنظمة الدولية للشفافية، والتي مقرها في ألمانيا لعام (2009) - أن تأتي دولنا العربية في مراتب متأخرة عالمياً، فالدولة العربية التي حققت أقل معدل في الفساد – وهي دولة قطر التي جاءت في المرتبة الأولى عربياً – احتلت المرتبة (22) عالمياً، وجاءت الصومال كأسوأ دولة عربية في المرتبة (180) عالمياً!
إن المرتشي لا إنسانية عنده. كما يقول أحد العلماء: «إن حقارة المرتشي ومهانته تأتي أول ما تأتي من الراشي نفسه؛ لأنه قاسه بمقياس الإنسانية فوجده لا إنسانية عنده، وبمقياس الأمانة والدين فوجده خالياً منهما، وما تقدم إليه بالرشوة إلا بعد اليأس منه، وإن أَلاَن له القول وتلَطَّف في السؤال».
يقول الشاعر:
وإذا امرؤ مدح امرءًا لسؤاله
وأطال فيه فقد أراد هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المستقى
عند الورود لما أطال رشاءه
إن الحاجة والعوز وقلة ذات اليد لاينبغي أن تدفع المرء إلى سلوك طرق ملتوية لتحصيل المال، أو شراء بعض الحاجات، وإنما يجب أن تدفعه إلى العفة والترفع والبعد عن مَواطن الشبهات. ومما يُروى في ذلك عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه اشتهى يوماً التفاح فلم يجد ما يشتري به من ماله، وبينما هو سائر مع بعض أصحابه أُهديت إليه أطباق من التفاح؛ فتناول واحدة فشمها ثم رده إلى مُهديه، فقيل له في ذلك، فقال: «لا حاجة لي فيه»، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية، وأبوبكر وعمر! فقال: «إنها لأولئك هدية وهي للعمال رشوة».
إن شيوع هذه الظاهرة في بلادنا تفسد أجهزة الدولة، وتجعلها ألعوبة بأيدي المجرمين وأصحاب الأهواء، ولابد من الضرب بيد من حديد على من تسول له نفسه ذلك، بإحكام الرقابة على جميع أجهزة الدولة، ومصادرة كل ما ثبت أنه أُخِذ رشوة، ثم بتقوية الوازع الديني وتوعية المجتمع وتحذيره من مضارها العاجلة والآجلة في النفوس والقلوب.

إعلانات

Developed By: Frecsoweb