العدد 188 - 2012-02-08 - 16-2-1433

الـموهــوب

110-39.jpg

الله.. ما أجمل موضوع التعبير الذي كتبه نجلكم، إنه يشبه كلام الكبار رغم سنه الصغيرة.
الله أكبر، بسم الله ما شاء الله! ابنكم موهوب في الرسم، إنه يرسم رسومات إبداعية يسبق فيها سنه بمراحل، اللهم احفظه من كل سوء وانفع به يا رب العالمين.
ما شاء الله لا قوة إلا بالله. ابنكم هذا مخترع المستقبل بإذن الله، إنه يُرَكِّب أشياء ويستنتج استنتاجات علمية لايستنتجها من سبقه بسنين، حفظه الله لكم ورعاه.
هذه بعض كلمات الذين كانوا يُدَرِّسون ولدي أو يتعاملون معه عن قرب، فهم دائماً منبهرون، لاسيما وأن من يتعاملون معه متعدد المواهب مثل ولدي، حتى إننا كنا نتحير في اختيار المسار الذي نود أن يسلكه في تعليمه، لأن نبوغه في كل المواد والتخصصات أوقعنا قي هذه الحيرة الشديدة!
هذا حال ولدي منذ خمس سنوات تقريباً، أما الآن فهو الفتى التافه الذي ندفعه للكتاب دفعاً، ونستحلفه أن يكتب كما كان يكتب ويخترع كما كان يخترع ويرسم كما كان يرسم فيتمنع ويُسَوِّف ويعِد ثم يُخلِف ويتهرب، وهكذا دوالَيك، حتى ملَّنا ومللناه.
ربما تسألني وقراؤك الكرام عن السبب فأجيبك ولا أكذبك:
السبب هو أن ولدي كان ضحية مكانين:
المدرسة التي تحايلنا عليها أن تضمه وأمثاله للموهوبين ونواديَهم، وأن تستفيد من طفولته قبل أن تلوَّث، ومن إبداعاته قبل أن يلتفِت عنها إلى غيرها، فإذا بالوعود البراقة، والكلمات المعسولة، والتبريرات الواهية، والانشغال عن هذه الإبداعات الحقيقية إلى ملفات وهمية عن الموهوبين والنبغاء تسلَّم آخر العام كملف إنجاز يحسب لصاحبه الذي لم ينجز أصلا!
أما السبب الثاني لقتل هذه الملَكات والإشراقات العقلية فهو وللأسف الشديد والده! نعم والده الذي تعامل مع هذه المواهب التي حبا الله عز وجل ولده إياها على أنها منحة لاترد، ولم يزد على أن أضاف إلى ولده بعض عبارات الثناء السريعة ثم انصرف إلى عمله دون تفكير في استثمار هذه النعمة.
والنتيجة أن ولدنا الحبيب استبدل السيجارة بريشة الرسم البديع، وموضوعات التعبير برسائل تافهة للأصدقاء، وانصرف عن الكتب التي كان يقرأها إلى التوافه التي أصبح يجيدها، كما أنه استبدل الأجهزة التي كان يفكها ويركبها ويفكر في تطويرها بهواتف نقَّالة يلعب عليها ألعاب الصغار التافهين الذين صار منهم!
تُرى.. كم نابغة مثل ولدي حُرِمت الأوطان من نبوغهم؟
وكم موهبة دُفِنت بقصد أو بدون قصد كان يمكن أن تنمو وتتقدم لو كان هناك اهتمام حقيقي بها؟!
إنني أتألم حسرة على الأوطان التي تتأخر وهي تملك مقومات التقدم، وعلى ابني الذي كنت أعده للمستقبل فلم أفلح.
أخيراً: هل لي أن أفعل شيئاً أسترجع به بعض رائحة ولدي الموهوب، أم أن الموعد قد فات؟ وشكراً.

الرد:

من حقك أن تتألمي ومن حقنا معك أن نتألم، ولم لا نتألم وذخائر الوطن تُهدَر بهذه الطريقة حتى أوشك مخزونها على النفاد.
لكنني لا أعفيك من تحَمُّل جزء من المسؤولية سيَّما وأنك أكثر الناس علماً بنبوغ ولدك المبكر وموهبته، بل وأكثرهم توصيفاً لحالته إبان مدها وجزرها.
أما المدرسة فقد أفضت في توصيف حالها الحقيقي في رسالتك، والضرب في الميت - كما يقال - حرام، وموات المدارس اليوم لم يُسبَق له مثيل، لذا فهي تستحق الشفقة كولدك تماماً.
أما الوالد المسكين - وما أكثر المساكين من الآباء - فهو صورة مكررة من آلاف الآباء الذين شغلهم أمر علف بطون أبنائهم عن غذاء أرواحهم وقلوبهم، فهم أيضاً يستحقون الشفقة على استثماراتهم الخاطئة التي آذت أول من آذت حبات القلوب وفلذات الأكباد!
أما سؤالك عن الأمل في عودة ولدك لسابق عهده ونبوغه، فأجيبك بأن الأمل في الله لاينقطع، وأن ولدك بفضل الله مايزال يحمل عقله الواعي وذكاءه الحاد، رغم سحابة التَّغَيُّر التي طرأت عليه والتي أحسبها سحابة المراهقة وليست سحابة الضياع التام كما ذكرت.
وهذا ما يدعوني لأنْ أطلب منك التعجيل بتثقيف نفسك في أمر المراهقة والمراهقين حتى يمكنك التعامل مع ولدك تعاملاً علمياً صحيحاً يعينك وولدك على تجاوز هذه المرحلة والعودة به إلى بر الأمان بإذن الله.
كما أنصحك بمحاولة إشراك الأب وإعادته إلى دوره الحقيقي في استيعاب ولده ولحاقه به قبل فوات الأوان، فإن عاد وإلا فابحثي عن مربٍّ لولدك من المربين الأكفاء يعيد إليه ثقته بنفسه، ويعيد إطلاق المارد من قمقمه ويستكمل تفجير طاقته على يديه، وحبذا لو كان ذلك المربي من الذين يقدمون له بشكل طبيعي كمعلم لمادة ما أو ماشابه ذلك.
كما أدعوكِ ووالدَه للتعامل الآمل مع ولدكما، لأن اللعب على وتر الضياع والنقد المستمر وقياس الحاضر المؤلم على الماضي الجميل أمامه باستمرار يؤكد عنده الشعور بالضياع وصعوبة العودة.
كما أوصيك بعدم اليأس في طرق أبواب نوادي الموهوبين دون إعلام ولدك بهذا السعي حتى لايزداد إحباطاً عند تكرار رفضه لها.
أخيراً: الدعاء.. الدعاء.. فما يفتحه الدعاء الصادق من أبواب أكبر مليار مرة من غيره من الوسائل مهما كانت قوتها. وفقكم الله.
 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb