العدد 301 - 2014-04-16 - 16-06-1435

الـمواءمـــــة

عبدالفتاح سـمك
الحصاد

التفسير المنطقي للأشياء أنك إذا أردت أن يكون لك حضور مؤثر في أي زمان لابد أن تمتلك أدواته، ولقد أراد محمد علي أن يقيم له ملكا يثبت أمام غيره، فاتجه إلى الغرب ليمتلك أدوات المعاصرة التي تمكنه من تحقيق أهدافه، فأرسل مجموعة من الأفراد  إلى فرنسا ليتعلموا  وسائل  تطوير الصناعة والحياة العلمية ويكونوا نواة النهضة الحديثة، وأرسل معهم  الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي إماما ذكيا قوي التأثير محبوبا بينهم وحازما معهم يقيم لهم الصلاة، ويحافظ لهم على هويتهم، ويسدد ويرشد ويقوّم.
عادت البعثة تحمل علما نهضت به الصناعة، وساد العلم الحديث  ولكن أهم ما عادت به هو إمامها الذي رجع  مشبعا بمجموع الأفكار والفلسفات السائدة، وبرصد دقيق للحياة الاجتماعية وما يمور بها من تيارات وقيم، وكذلك بوعي كامل بما يلائم مجتمعاتنا وما ترفضه، والفرق بين الانبهار والتقليد، وبتوجس شديد من أن ينقلب الانبهار إلى تقليد، ومن هنا كانت المواءمة بين التحديث على منوال الغرب والحفاظ على الهوية  مهمة رفاعة والجيل الذي تلاه من أمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وخير الدين التونسي، والواعين من المجتمعات الإسلامية التي لها تماس مع الغرب.
لقد نفض أولئك الرواد التراب الذي طمر كنوز التراث ليربطوا بين الأمة وجذورها المتينة، ثم أرشدوا إلى النافع من العلوم والمعارف الغربية، وكذلك على مواضع الخطر على الهوية من الفكر الغربي، وقد صاغ رفاعة تجربته وأفكاره في كتابين من أفصح كتبه في هذا المجال، وهما :تخلص الإبريز في تلخيص باريز، وكتاب : مباهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية، وقال فيهما ملخصا رؤيته:إن البلاد الإفرنجية بلغت أقصى مراتب البراعة في العلوم الرياضية والطبيعية وما وراء الطبيعة، أصولها وفروعها، ولبعضهم نوع  مشاركة في العلوم العربية وفهم رقائقها وأسرارها، غير أنهم لم يهتدوا إلى الطريق المستقيم، ولم يسلكوا سبل النجاة، ولم يرشدوا إلى الدين الحق  ومنهج الصدق، كما أن اللاد الإسلامية برعت في العلوم الشرعية والعمل بها، وفي العلوم العقلية، وأهملت العلوم الحكمية بجملتها، فلذلك احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه وجلب ما تجهل صناعته. 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb