مع مرور الزمن تزداد بشكل مستمر ومن دون توقف الجرائم والبطش الصهيوني على كل ما له علاقة بالأرض، بالشجرة والإنسان الفلسطيني وبكل أشكاله. فالإنسان الفلسطيني ومنذ أكثر من ستة عقود يتعرض للدبح، للجرم، للتشريد وللنزوح من قبل الآلة الوحشية الصهيونية التي تهدف في المقام الأول إلى محو كل ما هو فلسطيني من مقدسات، من أرض وتاريخ، من حضارة ومن كل ما هو له علاقة بالهوية الفلسطينية، في ظل سكوت وتجاهل المجتمع الدولي لما يُرتَكب من إبادة جماعية لشعب بأكمله.
من هنا فإن من الطبيعي أن تكون الحركة الرياضية بفلسطين بشكل عام وكرة القدم الفلسطينية بشكل خاص من الأهداف التي يريد الصهاينة وبكل ما أوتوا من قوة التخلص منها كون وجودها وتمثيلها لفلسطين على الصعيد الخارجي تقوي أمام شعوب العالم وأحرار العالم من وجود فلسطين كأرض وتاريخ وتثبت حقوق الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية برمتها جيلاً بعد جيل، وهو ما يرفضه الصهاينة تماماً. فعبر السنين والعقود والماضية قتلت الآلة الحربية الصهيونية الكثير من الرياضيين الفلسطينيين ولاعبي كرة القدم في فلسطين ليصبحوا شهداء لوطنهم. تمكن الصهاينة في أوقات سابقة من تدمير الملاعب الرياضية في القرى والمدن الفلسطينية وتحويل بعضها إلى مواقف لآلاتهم ودباباتهم الحربية.
وقام الصهاينة في السنوات الماضية بوقف النشاطات الرياضية الفلسطينية بشكل شبه كامل، فبعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 لم يتمكن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم من إقامة بطولاته ومسابقاته المحلية، وفي الوقت الذي تُجرَى فيه الدوريات الكروية في معظم دول العالم بما فيها الفقيرة أو المحتلة منها والتي بها حروب أهلية، فإن الكرة الفلسطينية حرمت من إقامة دوري وطني لها لغاية ما قبل بداية الموسم الماضي، إضافة إلى الفصل ما بين رياضيي الضفة الغربية ورياضيي قطاع غزة.
وبعد إعادة إحياء الدوري الفلسطيني بالموسم الماضي فإنه ولغاية هذه اللحظة مهدد بالتوقف في ظل التهديدات الصهيونية المتواصلة لشل كل حركة وحياة الفلسطينيين. كل ذلك يحدث مع أن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم يعتبر من بين أقدم الاتحادات الكروية في الوطن العربي، إذ تأسس عام 1928 وانضم للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) عام 1929. أيضا كانت فلسطين بعراقتها أول دولة عربية وحتى آسيوية تشارك في تصفيات بطولة كأس العالم حينما شاركت عام 1934 في تصفيات مونديال إيطاليا الذي أقيم في العام نفسه، ولعب منتخب فلسطين وقتها مباريتين تصفاويتين مع منتخب مصر في مصر وفي فلسطين وخسر فيهما. كذلك فإن الكيان الصهيوني حاول سرقة السجل الأرشيفي الرياضي الفلسطيني، مدعياً أن المنتخب الذي لعب سنة 1934 يعتبر تابعاً لها وليس لفلسطين.
وأبرز إنجازات المنتخب الفلسطيني كان حصوله على الميداليات البرونزية للمركز الثالث في الدورة العربية الرياضية التاسعة التي أقيمت في الأردن عام 1999.
مع كل هذه المعاناة فان الفرق والمنتخبات الفلسطينية ولاعبيها مُنعوا في الكثير من الأحيان من مغادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة بقرار من السلطات الصهيونية لتعتذر أو تغيب أو لاتسافر إلى الدولة المضيفة إلا وهي ناقصة في عدد الأفراد واللاعبين، والعجيب هنا أن المجتمع الدولي أو من يمثله يسكت على مثل هذه الأفعال بل حتى في بعض الأحيان يتواطأ ويشارك بها أيضا، والدليل على ذلك ما حدث في واقعة لن ينساها تاريخ الكرة الفلسطينية وبالتحديد خلال تصفيات كاأس العالم لجنوب أفريقيا 2010 في دورها الأول حينما لعب المنتخب الفلسطيني المعروف بـ(الفرسان) مباراة الذهاب في العاصمة القطرية الدوحة (والتي اعتبرت بأرضه) أمام المنتخب السنغافوري يوم 8 أكتوبر 2007، وكان على الفلسطينيين الذهاب إلى سنغافورة بعد ذلك ولعب لقاء الإياب يوم 28 أكتوبر 2007، إلا أن السلطات الصهيونية رفضت سفر البعثة والفريق وعدم السماح لهما بالخروج من الأراضي الفلسطينية وعليه فلم تُقَم المباراة فما كان من (الفيفا) إلا يقرر قرر تخسير فلسطين أمام سنغافورة 0/3 لتخرج فلسطين من التصفيات.
ولاشك أن هذه الحادثة شوهت كثيراً من صورة (الفيفا) كونه لم يلتفت لمأساة المنتخب الفلسطيني بتأجيل لقاء الإياب مع سنغافورة إلى تاريخ آخر أو إرغامه سلطات الاحتلال على السماح للاعبين الفلسطينيين بالوصول في الوقت المحدد للمباراة، غير أن الفيفا لم يحرك ساكناً ولم يفرض عقوبة رادعة تجاه الرعونة الصهيونية على الاتحاد الصهيوني لكرة القدم على الأقل، ليكون ذلك بمثابة تهديد إذا ما تكرر الأمر في المستقبل بهدف فصل الرياضة عن السياسة والذي دائما ما يطالب (الفيفا) به، فقد أوقع في الماضي ولهذا السبب بالتحديد عقوبات قاسية على الاتحادات اليونانية والكينية والكويتية والعراقية لتدخل سياسة الدول بكرة القدم. بل أن (الفيفا) عرف دائماً بمجاملته للصهاينة من خلال وضع منتخبهم في تصنيف متقدم لتصنيف المنتخبات العالمية الشهري الذي يعتمده، رغم أن الصهاينة وعلى صعيد كرة القدم لم يتأهلوا إلى أية بطولة عالمية أو كأس أمم أوروبا منذ عام 1970 عندما تواجدوا في مونديال المكسيك آنذاك وكممثلين عن قارة آسيا قبل أن يتم طردهم طرداً من دون عودة من كل المسابقات الآسيوية ومن القارة ككل بعد أن لعبت وقتها الدول العربية دوراً فاعلاً للوصول إلى هذا الهدف. فالصهاينة ومع آخر تصنيف للفيفا يحتلون الترتيب الـ38 في العالم!
وآخر جرائم الاحتلال تجاه الرياضة الفلسطينية حدث يوم 11 أغسطس الحالي عندما لعب المنتخب الفلسطيني مباراة ودية بمناسبة يوم الفيفا (التي تكثر فيها المباريات التجريبية من قبل المنتخبات العالمية) حينما توجه المنتخب في رحلة شاقة استغرقت 20 ساعة إلى العاصمة الموريتانية نواكشوط لمقابلة منتخبها هناك ولكن بفريق ناقص العدد هو عشرة لاعبين فقط إذ منعت سلطات الاحتلال مغادرة ستة لاعبين من بينهم إسماعيل العمور، حسام وادي، سليمان العبيد، خالدي مهدي ومعالي كورع، إضافة إلى غياب اللاعبين المحترفين الفلسطينيين الثلاثة في نادي الوحدات الأردني وهم أحمد كشكش، عبداللطيف البهداري وفهد العتال لرفض النادي الأردني سفرهم بحجة احتياجه لهم ليلعبوا في صفوفه في مباراة كأس الكؤوس الأردنية يوم الجمعة الماضي رغم ما بذله الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم ومعه الاتحاد الأردني لكرة القدم من جهود لثني الوحدات عن قراره، غير أنهم سافروا فعلا بعد أن سهل الاتحاد الفلسطيني إجراءات سفرهم بأن وأصدر لهم جوازات سفر فلسطينية جديدة بعد أن سحب النادي الأردني جوازاتهم لتتم تلك الخطوة من دون معرفة نادي الوحدات.
بالرغم من كل هذه الصعوبات أقيمت المباراة وتعادل المنتخب الفسطيني مع ضيفه الموريتاني من دون أهداف ليؤكد بذلك أن الرياضي واللاعب الفلسطيني يبقى صامداً ومتحديا لأية معوقات قد تحد من طموحه كونه يعلم تماماً أن مجرد وجوده في المحافل والمنافسات الرياضية سيتم خلالها رفع علم فلسطين وهو ما يعتبر بمثابة الانتصار لفلسطين وللقضية الفلسطينية وانكسار للصهاينة. وعلى كل عربي ومسلم إدراك ذلك تماما وتسهيل مهمة اللاعب الفلسطيني وعدم تكرار تصرف نادي الوحدات، فالقضية الفلسطينية ليست قضية وطن بل هي قضية وجود وكرامة أمة بكاملها.