العدد 187 - 2012-02-01 - 09-02-1433

مع أخي أحمـد العسَّال.. صحبة عُمْر.. وأخوَّة حيـاة

اعتقلتنا المخابرات المصرية بتهمة تمويل انقلاب عسكري ونحن لا زلنا حديثي عهد بالخليج
الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي يخص النباء بسلسلة مقالات عن رفيق دربه الراحل الدكتور أحمد العسال (الحلقة الأخيرة)
بقلم العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي

في الحلقة الأخيرة من سلسلة مقالاته يواصل العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في سرد صحبته مع الداعية الراحل الدكتور أحمد العسال، والذي ارتبط معه ارتباطاً وثيقاً محبة في الله، ويتحدث في هذه الحلقة حول نشرهما هو والعسّال رسالة (الإسلام بين شبهات الضالين وأكاذيب المفترين) حيث كان قد كلفهما بإعدادها الدكتور البهي ردٍّ علميّاً على الشُّبُهات التي أثارتها والأباطيل التي اتَّهمت بها الإسلام زورا كراسة نشرها الشيوعيون في العراق مهاجمين فيها الإسلام وتعاليمه: عقيدة وشريعة، وأخلاقًا وحضارةً، وهو بحث عُرف حينها باسم (الكراسة الرمادية)، نشرت خلاصتها الصحف المصرية، والتي هيَّجت عليها الرأي العام المصري، المرتبط عقديًّا وفكريًّا وشعوريًّا بالإسلام، والذي يثور كالبركان إذا عدا على حماهُ عادٍ. كما رأينا ثورته أخيرا ضدَّ رواية (وليمة لأعشاب البحر).
وقد تم نشر الدراسة التي اطَّلع عليها الدكتور البهي وأقرَّها، في مجلة الأزهر.
تتبع الصحف والمجلات في مواقفها من الإسلام
وبعد أن فرغنا من إخراج كتب الشيخ شلتوت، كلَّفنا الدكتور البهي بعمل آخر، هو: أن نَتَتَبَّع ما تكتبه الصُّحف والمجلات عن الإسلام إيجابًا أو سلبًا، لتوظيفها بعد ذلك في خدمة الدعوة، ومعرفة أصدقائها وأعدائها، ووسائلهم وخططهم، والكشف عن أفكارهم ومفاهيمهم من خلال ما يكتبون أو يُكتب عنهم.
كان الهدف نبيلاً وجميلاً، ولكن لم تُهيَّأ له الوسائل الضروريَّة لتحقيقه، فلم توضع ميزانية لشراء هذه الصحف والمجلات المصرية والعربية، لقراءتها واستخراج أهم ما فيها ممَّا يخدم موضوعنا، لأرشفة هذه المعلومات.
ولم تكن لدينا سكرتارية، لتساعدنا في عملنا هذا، ويبدو أنَّ المشروع اعتُمد ارتجالاً، دون إعداد وتخطيط كافٍ له، فقد أراد الدكتور البهي أن يشغلنا بعمل نبذل فيه جهدنا، دون أن يكون معنا من الآليات ما نستطيع أن نُحقِّق به ما يُراد منا.

الرد على الكراسة الرمادية
وفي هذا الوقت - على ما أذكر - نشر الشيوعيون في العراق هجومًا على الإسلام وتعاليمه: عقيدة وشريعة، وأخلاقًا وحضارةً، في بحث عُرف باسم (الكراسة الرمادية)، نشرت خلاصتها الصحف المصرية، والتي هيَّجت عليها الرأي العام المصري، المرتبط عقديًّا وفكريًّا وشعوريًّا بالإسلام، والذي يثور كالبركان إذا عدا على حماهُ عادٍ. كما رأينا ثورته أخيرا ضدَّ رواية (وليمة لأعشاب البحر).
وقد كلَّفنا الدكتور البهي - أنا والعسَّال - بكتابة ردٍّ علميٍّ على الشُّبُهات التي أثارتها هذه الكراسة، والأباطيل التي اتَّهمت بها الإسلام زورا.

رسالة (الإسلام بين شبهات الضالين وأكاذيب المفترين)
وقد أعددنا ردًّا بالفعل اطَّلع عليه الدكتور البهي وأقرَّه، وأمر بنشره في مجلة الأزهر، وقد اخترنا عنوانه: (الإسلام بين شبهات الضالِّين وأكاذيب المفترين). كما كلَّف الدكتور البهي زميلنا الأستاذ حمودة عبد العاطي في إدارة الثقافة: أن يترجم هذا المقال إلى الإنجليزية، ويُنشر أيضًا في مجلة الأزهر، وكان هذا المقال هو الذي أوحى إلى أخينا الأستاذ حمُّودة أن يكتب بالإنجليزية كتابه بعد ذلك: (جوهر الإسلام - فوكس إسلام).

العمل بالمكتب الفني للوعظ والإرشاد
ولذا لم يستمرَّ هذا العمل - تتبُّع الصحف - طويلاً، وبعد مدَّة لم تطُل كثيرًا حُوِّلنا إلى العمل في المكتب الفني لإدارة الوعظ والإرشاد، لنعمل مع مدير الوعظ والإرشاد في ذلك الوقت، وهو الشيخ عبد الله المشدّ، وننتقل من مبنى إدارة الأزهر الذي كنا نداوم به حيث مراقبة البحوث والثقافة، إلى مبنى (الرواق العباسي) في الأزهر القديم، وكانت إدارة الوعظ والإرشاد إحدى الإدارات التابعة للإدارة العامة للثقافة الإسلامية.

زملاؤنا في المكتب الفني للوعظ والإرشاد
وكان معنا في المكتب الفني عددٌ من العلماء الأفاضل، منهم: فضيلة الشيخ عطية صقر، والشيخ محمد رمضان مدير تحرير مجلة (نور الإسلام) لسان حال علماء الوعظ والإرشاد، والأَخَوَان أحمد حمد، وعبد الحميد شاهين.

مجموعة الشيخ شلتوت
وكان الشيخ عبد الله المشد مدير الوعظ من العلماء المستنيرين، ومن مجموعة الشيخ شلتوت، إذ كان الشيخ شلتوت والمشد والبهي وماضي، كلُّهم من منطقة واحدة من محافظة البحيرة، وكانوا جميعًا يدًا واحدة، وقلبًا واحدًا، ثم فرَّقت بينهم الأيام والفتن، وأهواء الأنفس، ودسائس الشياطين.

ترشيحنا إلى قطر
ولقد حضر إلى مصر في الإجازة الصيفية (1960م) الشيخ عبد الله بن تركي من قطر، وهو المسؤول عن العلوم الشرعيَّة في وزارة المعارف، وقابلته أنا والأخ أحمد العسَّال، وكان لقاء علميًّا حيًّا، طرقنا فيه موضوعات في العقيدة والفقه والتربية، وسُرَّ بهذا اللقاء الشيخ ابن تركي، وطلبنا رسميًّا من الأزهر. وكنتُ قد تعرَّفت عليه قبل ذلك، حين صلَّى في مسجد الزمالك عندما كنتُ أخطب فيه، وسمع خطبتي وأُعجب بها، وكتب كتابا إلى الشيخ الباقوري وزير الأوقاف، يطلب منه إعارتي إلى قطر، وبالطبع لم يتحقَّق ذلك لعوائق كثيرة.

أنا والعسَّال إلى قطر
وسافر العسَّال إلى قطر، دون اعتراض، أما أنا فاعترضت المباحث العامة على سفري، فبقيتُ في مصر، أعمل بين المكتب الفني للوعظ والإرشاد، ومراقبة البحوث والثقافة.
وبعد مرور سنة دراسية، وبعد طلب وإلحاح من قطر، ووزارة المعارف فيها على جهات الأمن المصريَّة، وافقوا على إعارتي إلى قطر لأعمل مديرًا للمعهد الديني الثانوي، وكان في استقبالي حين وصلت العسَّال وإخوانه من أصدقائنا القدامى، وبتُّ وأسرتي عند العسَّال.

البحث عن مسكن ملائم من مساكن الحكومة
بدأنا منذ الصباح نبحث عن سكن مناسب لي أنا والعسَّال، بحيث نكون متجاورَيْن، وكانت وزارة المعارف تُسلِّم المُدرِّسين سكنا مؤثَّثا، تُشرف عليه إدارة الإسكان الحكومي. وبعد أن رأينا عدَّة شقق اخترنا شقَّتين متجاورتين في بيت من أربع شقق، مكوَّن من طابقين، أخذت أنا والعسَّال الشقتين العلويتين، وكان البيت ملك الشيخ ابن تركي. وقد قضينا في هذا البيت أربع سنوات، ثم جاء عليه الأمر بالإزالة حين أُنشئ (جسر رأس أبي عبود)، المعروف في الدوحة، وانتقلت إلى بيت آخر هو (فيلا) من دور واحد.

اشتراكنا في تأليف كتب العلوم الشرعية
وكان من الأحداث المهمة: اشتراكنا في تأليف كتب حديثة في العلوم الشرعيَّة، التي تشمل التوحيد والفقه والآداب والتفسير والحديث والبحوث الإسلامية، وقد كلَّف مدير المعارف الأستاذ كمال ناجي لجنة برئاسة فضيلة الشيخ عبد المعز عبد الستار، وعضويَّة كل من: يوسف القرضاوي، وأحمد العسَّال، وعليوة مصطفى. لإنجاز هذه الكتب، مراعين رُوحَ العصر، وأسلوبه في الشكل والموضوع. فقسمنا الموضوعات على أنفسنا، وأصدرنا أول كتب مؤلفة في العلوم الشرعية في بلاد الخليج على ما أظن.
وقد لاقت الاستحسان في الدول المجاورة.

اعتقالنا معًا في سجن المخابرات المصرية
وممَّا ابتلينا به معًا بعد وصولنا إلى مصر لقضاء الإجازة في صيف سنة 1962م، بعد رجوعنا بعدَّة أيام: أنهم ساقونا إلى سجن مبنى المخابرات المصريَّة في سراي القبة، في قصة طويلة أوردتها في مذكراتي، وبعد أسئلة وتهديدات، حيث سألوا كُلاًّ منا على انفراد، ولكنها أسئلة واحدة كانت عن اثنين من الإخوان: الأستاذ عبد العزيز كامل، والضابط محمود يونس. وتطابقت أجوبتنا تقريبًا، ولم يجدوا عندنا شيئًا يديننا، ولم تُوجَّه لنا تهمة، ومع هذا أبقونا نحو خمسين يومًا.
ولما أفرج عنا سألنا الناس: فيم أخذتم؟ وفيم اعتقلتم؟ وما تهمتكم؟
قلت لهم: علمي والله علمكم، وأنا في الحقيقة لم تُوجَّه لي تهمة، ولا أعلم: لماذا أخذوني وحجزوني عندهم هذه المدَّة؟
وكلُّ ما سألوني عنه شخصان، لا أعلم عنهما شرًّا، ولا أعرف لهما جُرمًا، وهما: الأستاذ عبد العزيز كامل، والضابط محمود يونس، ولا أدري سرَّ الربط بينهما.

شبهة المشاركة في انقلاب ديني
وما هي إلا أيام حتى عرَفتُ من الناس التهمة التي أُخذتُ بها، وهي شبهة المشاركة في انقلاب ديني الطابع، دبَّره بعض الضباط في الجيش، مع فئة من القيادات الدينية الصوفية، وعلى رأسهم: الدكتور حسن عباس زكي وزير الاقتصاد السابق، والأستاذ عمر مرعي، شقيق السيد مرعي رئيس مجلس الشعب، ومعهما الأستاذ عبد العزيز كامل، وقد قال الأستاذ عبد العزيز الشُّوربجي المحامي المعروف: إنَّ هذا الانقلاب لا وجودَ له إلا على ورقات تحمل مُجرَّد أفكار وتخيُّلات، لدى بعض الضباط!
ولم يثبت التحقيق على أيٍّ من هؤلاء ما أخذوا به، وقد أفرج عنهم جميعًا بعد ذلك دون أن يُدانوا بشيء.
أما تُهمتي أنا والعسَّال - كما تخيَّلوها - فهي أنَّنا مُمَوِّلون من الخليج للانقلاب المزعوم، وذلك لما لنا من صلة بالأستاذ عبد العزيز كامل، والضابط محمود يونس!!
وكيف نكون مموِّلين، ونحن لا زلنا حديثي عهد بالخليج، فلم يمضِ أكثر من تسعة أشهر لي في قطر، والعسَّال كان قبلي بسنة دراسية، فماذا عسى أن يكون لنا من مال نُسهم به في تمويل انقلاب؟!
إنها الأوهام والخيالات التي يركض وراءها أحيانًا رجال الاستخبارات، يحسبون السَّراب ماء، حتى إذا جاؤوه لم يجدوه شيئًا.

اللقاء بصلاح نصر
جاء موعد سفرنا إلى قطر في منتصف سبتمبر، ولم يُؤْذَن لنا بالسفر، وبدأ العام الدراسيُّ، ولم نتمكَّن من مغادرة مصر. وعُدنا - أنا والعسَّال - لمباشرة عملنا في المكتب الفني لإدارة الوعظ والإرشاد بالرواق العباسي بالأزهر. ولم تكفّ وزارة المعارف في قطر عن إرسال البرقيات إلى الأزهر، وإلى الوزير المسؤول عن الأزهر السيد حسين الشافعي عضو مجلس الثورة، للسماح لنا بالسفر لمباشرة عملنا هناك.
ويبدو لي أنَّ هذه البرقيات وصلت إلى إدارة المخابرات التي كان على رأسها رجل الاستخبارات الشهير صلاح نصر.
وفوجئنا يومًا باستدعائنا - العسَّال وأنا - لمقابلة صلاح نصر في مكتبه في إدارة المخابرات، في المبنى الذي كنا ضيوفا عليه سبعة أسابيع.
وفي الوقت المُحدَّد استقبلونا بالباب، وحملونا إلى مكتب الرجل الذي إذا ذُكر اسمه ارتعدت الفرائص، واصْطَكَّت الأسنان، وزلزل الرعب القلوب!
دعوة صلاح نصر للتعاون مع المخابرات
دخلنا على صلاح نصر، فإذا هو رجل ناعم الملمس، حسن اللقاء، أحسن استقبالنا، ورحَّب بنا، وأظهر أسفه واعتذاره لما وقع لنا، وأنه كان خطأ لا مُبرِّر له، لم يعلم به إلا بعد رجوعه من سفر طويل.
وقال: إني سمعتُ كثيرا عن إخلاصكما ونشاطكما وسمعتكما الطيبة في سائر الأوساط في الداخل والخارج، وإننا نعتبركم سفراء لبلدكم، ونريد أن نبدأ صفحة جديدة في التعاون من أجل مصر، وخير مصر، وتقدُّم مصر.
وقال: إنَّ همزة الوصل بيننا هو واحد منكم تعرفونه ويعرفكم، هو الأستاذ محمد نجيب جويفل، وسيُرتِّب معكم طريقة الاتصال بكم، وسأصدر الأوامر برفع الحظر عن سفركم، ويُمكنكم أن تستعدُّوا للعودة إلى قطر متى شئتم.
كان صلاح نصر يتكلَّم، ونحن نسمع، وهو يتكلَّم بثقة واطمئنان إلى ما يقول، كأنما يصدر أمره إلى جنود في كتيبة يقودها، فما عليه إلا أن يأمر، وما عليهم إلا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا!
ولهذا لم يتصوَّر أن يكون لنا رأي يخالف رأيه، أو إرادة تناقض إرادته. ومَن نحن حتى نقول: لِمَ؟ ناهيك أن نقول: لا!!
ولم نملك إلا أن نشكره على حُسْن استقباله لنا، وعلى إزالة العقبات من طريق سفرنا إلى عملنا، وانصرفنا بسلام.

حلقات التسليك مع الأخ عبد الحليم
ومن أنشطتنا المشتركة: الحلقات التي كانت تعقدها المجموعة الإخوانيَّة المتقاربة في في الفكر والرؤى، وهم: عبد الحليم أبو شُقَّة، وعز الدين إبراهيم، وحسن المعايرجي، رحمهم الله، وأحمد العسَّال، ويوسف القرضاوي. وهي جلسات رُوحيَّة وفكرية واجتماعية، نتبادل فيها الرؤى والأفكار، ونناقش بعض القضايا، ونتواصى ببعض الوصايا، وكان أخونا عز الدين رحمه الله يطلق عليها: جلسات (التسليك). تشبيهًا بما يفعله الصوفية الملتزمون من تسليك المريد، حتى يرتقي من درجة إلى أعلى منها، وعندهم أن الطريق يبدأ بـ(المريد)، ثم يمر بـ(السالك)، ثم ينتهي بـ(العارف)، وهذا لا يصل إليه إلا السابقون بالخيرات بإذن الله، وهم قليل، أو أقل من القليل.

الاشتراك في زيارة العلماء والأمراء
وكنا إذا أردنا أن نزور كبار العلماء في قطر، مثل ابن محمود أو الأنصاري أو ابن تركي أو ابن حجر البوطامي، نزورهم كلنا مع الشيخ عبد المعز، والشيخ عليوة، وصديقنا عبد الرحمن الجبالي.
وكذلك إذا زرنا حاكم قطر في ذلك الوقت الشيخ أحمد بن علي آل ثاني في قصره، (أو في مكتبته الخاصة بالريان)، وكذلك إذا زرنا الشيخ قاسم بن حمد آل ثاني وزير المعارف أو التربية بعد.
أو بعض وجهاء البلد، مثل الشيخ خالد بن حمد، أو الشيخ محمد بن حمد، أو الوجيه قاسم درويش فخرو، أو الوجيه عبد الله عبد الغني وإخوانه، أو آل المانع، أو العطية، أو السويدي، أو الغانم، أو الخليفي، أو الهتمي، أو الدليمي، ونحوهم.

سفر العسَّال إلى لندن:
وقرَّر العسَّال أن يغادر الدوحة إلى لندن للدراسة، للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة كامبردج، وقد فكَّرت أن أفعل ما فعل، ولكن كان عندي أربع بنات، ولم أجمع من المال ما يكفي للإنفاق على هذه الأسرة التي يُرجى أن تتزايد.
وقد شاء الله ألا يُرزق العسَّال بأولاد، وكان ذلك عونا على السفر للدراسة، ولله في خلقه أقدار لا يعلم حكمتها إلا هو.

العسال في لندن
وكان العسال في لندن - مع دراسته الرسميَّة - حركة دائبة من الناحية الشعبية، مع المقيمين في لندن، والقادمين إليها، ولا سيما مع العمل الطلابي الإسلامي، وقد التفَّ حوله الطلاب المسلمون، وأمسى بمثابة الأب الروحي لهم.
وفي لندن أصيب العسَّال بقرحة المعدة، وقرَّر الأطباء أن يقصُّوا جزءًا كبيرًا من معدته، فكان لا يأكل إلا القليل، مع كثرة الوجبات، ولما رأيتُه بعد العملية، لم أكد أعرفه، فقد وجدته قد نزل إلى نحو نصف وزنه القديم، فلم يعد ذلك الجسم الضخم، بل أصبح نحيفًا نحيلاً.

لقاءات في الأجازة الصيفية
وكنَّا نلتقي في الإجازات الصيفية، وخصوصًا في السنتين اللتين ذهبت فيها إلى استنابول، حيث عقدنا ندوات فكرية إخوانية اشترك فيها عدد من الإخوان، مثل: د. توفيق الشاوي، وعبد البديع صقر، ود. صلاح شاهين، وأنا، والعسَّال، وبعض الإخوة لم أعد أذكرهم.
وسكنا معًا في بعض الإجازات في منطقة (يلُوَا) قرية (جوكشدرا).

لقاءات في السعودية بعد ذلك
ثم تلاقينا مرة أخرى في السعودية بعد عودة العسَّال من لندن حاملاً الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، عن الإمام المحدِّث الزاهد المجاهد عبد الله بن المبارك وكتابه (الزهد)، وكان مشرفه المستشرق المعروف ذا النزعة الصوفية (آربري).
وعُيِّن في جامعة الملك سعود، في كلية التربية، وفي قسم الثقافة الإسلامية، وقد زرته في القسم، والتقيته والتقيتُ صديقه وصديقي د. محمد سليم العوا، الذي كان يعمل معه في القسم.

لقاءات في إسلام آباد
وكان لنا لقاءات أخرى في إسلام آباد، حين أُعير إليها من السعودية، مساعدًا لمدير الجامعة الأستاذ الدكتور حسين حامد حسان، وكنت عضوًا في مجلس أمناء الجامعة، فلي زيارةٌ في كلِّ عام على الأقل، وقد أذهب لمناسبات أخرى، فيدعوني د. حسين، أو د. العسَّال إلى المحاضرة في الجامعة، أو التقاء الطلاب، كما طلب مني د. أحمد مرة التقاء الطلاب والطالبات من الصين، الذين ألحُّوا أن يلتقوني.
ولما ترك الدكتور حسين الجامعة، قام مقامه الدكتور العسال، وكانت الجامعة تعاني من نقص في ميزانيتها.

لقاءات في قطر
وكثيرا ما كان يزورنا الأخ العسَّال في قطر على رأس وفد من كبار رجال الجامعة، للبحث عن دعم للجامعة في مسيرتها، وكنت أجتهد أن أشدَّ أزرهم ما استطعت.

العسال بجانبي دائمًا
وفي السنوات الأخيرة عرض الإخوان أكثر من مرة، منصب المرشد العام على الفقير إليه تعالى، فاعتذرت لأكثر من سبب، ومن ذلك ما عرضه عليَّ الأستاذ مأمون الهضيبي - بعد أن تولَّى منصب المرشد - أن يتنازل عن منصبه، ويسنده إليَّ بموافقة الإخوان طبعًا، إذا قبلت ذلك، وأرسل هذه الرسالة مع الأخ الصديق المفكِّر المسلم الكبير محمد عمارة، الذي حاول أن يقنعني فلم يفلح. وعرف ذلك العسَّال، فكان تعليقه: خيرا فعلت، إنَّ الله تعالى يريدك أن تكون مرشدًا للأمة كلِّها، لا لجماعة من الجماعات، وإنْ علا شأنها!
وفي كلِّ المشروعات الإسلامية التي تبنَّيتُها، مثل (الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية) في الكويت، ومثل (موقع إسلام أون لاين على الإنترنت)، ومثل (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)، كان العسَّال يعاضدني ويشدُّ أزري.
ورغم أنَّ إقامتي في قطر، وإقامته في مصر، فهو يواليني دائما بالسؤال عن طريق الهاتف، الذي قرَّب المسافات بين المتباعدين، فأدعو له، ويدعو لي.
فمثل هذه الأخوة التي بدأت لله، وفي الله، لا يمكن أن تنفصم عُراها، فما كان لله دام واتَّصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، ونسأل الله البرَّ الكريم، الذي جمعنا على الحبِّ فيه، أن يديم علينا النعمة، ويجمعنا في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، إنه سميع قريب.
}رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ{ (الحشر:10).

إعلانات

Developed By: Frecsoweb