العدد 187 - 2012-02-01 - 09-02-1433

لماذا نجد المعارضة الأوروبية جزءاً من الحل والعربية جزءاً من المشكلة؟

سؤال طرأ على ذهني وأنا أتابع الخلافات التي تتسع مع مرور الأيام بدل أن تضيق بين المعارضة والحكومات العربية، وهو ما يذكرني بمقدمة أحد المسلسلات السورية، حيث يتحدث عن المشاكل التي تحدث بين الفئات المتخاصمة (إنْ ما كِبْرِت ما إبْتِصْغَر).
ففي الوقت الذي نجد فيه المعارضة الأوروبية رغم اختلاف برامج أحزابها ورغم منافستها الشديدة على السلطة إلا أنها لاتصل إلى حد هذا العداء التقليدي الذي تبلغه المعارضة العربية مع حكومة البلاد التي تتولى السلطة فيها، بل نجد هذه الخصومة تشتد حتى في الدول العربية التي لا مجال لتداول السلطة فيها، فبينما نجد أن المعارضة الأوروبية تصبح جزءاً من الحل نجد أن المعارضة العربية جزءٌ من المشكلة.
تُرى ماذا وراء هذه الخصومة التقليدية التي تجعلها في اتساع مستمر رغم أن بلداناً عربية مثل دول الخليج قادرة إلى حد كبير على تلبية احتياجات شعوبها مقارنة بالدول العربية الأخرى.
هذا السؤال كثيراً ما حيَّرني، فهو أشبه بالعداء التقليدي بين المدرس وتلامذته وأصحاب العمل وقادته والعمال أنفسهم، إلا أن هناك استثناءات قليلة كأن يكون المدرس مثالياً للغاية أو يكون صاحب العمل نموذجاً خاصاً يخاف الله ولايفكر في ابتزاز طاقات العمال ويكون رحيماً بهم مثل المدير الذي كتبت عنه الصحف المصرية في ستينيات القرن الماضي عندما كنت طالباً في الجامعة بالقاهرة، حيث اندهش الكاتب وهو يورد حكاية مدير أحد المصانع الكبرى في شبرا المظلات والذي كان يعمل به أكثر من خمسة عشر ألف عامل، والذين أضربوا جميعهم مرة عن العمل وأصروا على عدم العودة إلا إذا أبقت الحكومة المدير دون أن تنقله الى موقع آخر.
إذن هناك استثناءات إلا أنها نادرة، غير أن المعارضة العربية لاتجد فيها استثناءات، وإنْ كان مستوى الخصومة يتراوح بين الأقل شدة والأكثر شدة، حتى بلغت درجة هذه الخصومة أن الكثير منهم يرى أنه لا جدوى من الإصلاح، وكأنما يقولون (لقد بلغ السيل الزُّبَى) وما لنا طاقة في تحمل أو أي أمل في إصلاح هذا النظام.
وبالرغم من أن دول الخليج يجب أن تكون مستثناة من هذه الخصومة الشديدة خصوصاً وأن الإمكانات المالية من دخول النفط والغاز متوفرة وقادرة الآن على تلبيه احتياجات المواطنين، ثم لأن هناك اتفاقاً بين الشعوب وحكامهم، أو أن هذا التوافق تقليدي بأن الحكم وراثي يتولى فيه الابن الحكم بعد والده أو عن أخيه كما يجري في الكويت، وكان يمكن لهذا التقليد أن يسير بدون معوقات، فقد هضمت الشعوب الخليجية هذه الثقافة ولم يعد أحد يتطاول في البنيان، لكن اتساع التعليم وزيادة الوعي ودخول الأمة في عالم الفضائيات والإنترنت وزمن العولمة جعلت المعارضة التي كانت تقودها طبقة برجوازية أو أرستقراطية من التجار في مرحلة ما في الخليج بصفة أشخاصها وجوه البلد ومثقفيه، فكانوا هم الذين يرفعون للحاكم مطالب الإصلاح كما حدث في حركة عام 1938 في كل من البحرين والكويت ودبي، فإن هذا التقليد في القيادة البرجوازية التي كان سقف مطالبها هابطاً ومحدوداً، تلك المرحلة قد انتهت مع ظهور النفط وتحسن الأوضاع الاقتصادية وبروز دول المنطقة المحمية من بريطانيا كدول مستقلة لها ثقلها الاقتصادي .
لقد اتسعت المعارضة عددياً وانتقلت من يد التجار ووجوه البلد إلى القاعدة الشعبية العريضة التي صارت تمثل قاعدة واسعة من المعارضة حتى بدون قيادات حزبية إلا من بعض المستقلين في كثير من الأحيان، ثم انتقلت إلى مرحلة جديدة بوجود جمعيات سياسية مثلما حدث في حركة هيئة الاتحاد الوطني في البحرين ثم المرحلة التي تلتها وهي ظهور أحزاب سرية كالبعث والجبهة الشعبية وجبهة التحرير الوطني البحريني.
لكن الخصومة بدأت تكبر ولم تعد تصغر أو تقف عند حدها، فقد تولَّد شعور لدى المواطن الخليجي بأن الفساد المالي والإداري صار ينخر جذور البلاد، ومع ظهور المتغيرات العالمية وبروز جمعيات ولجان حقوق الإنسان بدأ صوت المعارضة يرتفع بشكل أقوى وأكبر، وكان لبلوغ الملالي إلى سدة الحكم في إيران أثره في محاولة تصدير الثورة المذهبية بعد انحسار الحس القومي، لاسيما وأن المد الإسلامي السني صار يتعاون مع الأنظمة، لكن ما جرى أن ظهور الإسلاميين الشيعة في إيران قد أضرَّ بالاستقرار السياسي في مملكة البحرين ودولة الكويت وبشكل أقل في المملكة العربية السعودية، حسب التواجد العددي في كل من هذه البلدان. هذا الحراك الطائفي جاء على أنقاض انحسار الحس القومي، وفي ظني أن هذا الحراك الطائفي الذي بدأ يبرز في هذه البلدان الخليجية أعاد إلى أذهان الطائفة الأخرى السنية ضرورة إعادة حساباتها، لا خوفاً على الأنظمة الحاكمة وأُسَرِها فحسب بل شعوراً منها بأن أي خلل في البنيان الحالي للأسر الحاكمة قد يؤدي إلى هلاك الوطن وضياعه، ومن هنا فإن المعارضة السنية ومن بينها كثير من القاعدة الجماهيرية صارت تشعر بأهمية تخفيض درجة المطالب التي كانوا يُضمِرونها، عندما فقدوا الأمل في تحقيق بعض المطالب المشروعة لهم، والذي فرض هذا التغيير على الطرف الآخر شعوره بالخوف من النموذج العراقي، ولكن أخطر ما في جانب من هذه المعارضة أنها تتقوى بالخارج بل وتسافر لدول أوروبية وتحصل على حق اللجوء السياسي ويصبح أعضاؤها عملاء حقيقيين ودعاة للأنظمة المذهبية، متناسين قوميتهم وعروبتهم وإسلامهم، وهذا ما يوسع الخلاف اليوم بين الجماهير التي تخاف على استقرار وطنها من التغيير، وبين أولئك الذين لايهمهم ذلك بل يظنون أنهم سيخلقون عراقاً جديداً يصب لصالحهم.
وفي مقال لأحد الكتاب عن المعارضة الخليجية يرى أن (الحديث عن المعارضة في الخليج يؤطَّر ضمن إطارين.. الخلفية التاريخية لنشوء الجماعات المعارضة، والنظام السياسي والثقافي في كل دولة باعتبارها المسؤولة الأولى عن تحديد طبيعة المعارضة، وإنْ كانت طبيعة النظام السياسي والثقافي في الخليج متشابهة إلا أن الفروق الدستورية والبرلمانية في كل دولة تظل تلعب دوراً في تحديد طبيعة وشكل المعارضة).
ويضيف الكاتب إن هذه المعارضة غير مرعبة ولاتخاف منها انظمتها حيث يقول: (وهناك سبب يدعو إلى عدم الخوف من المعارضة في دول الخليج، وذلك لأنها في دول تفتقد إلى مقومات الديمقراطية بمعناها الصحيح، في ظل أنظمة جعلت الأبعاد الأخرى اللازمة للعملية الديمقراطية كالانتخابات ووجود الدستور وقيام الأحزاب لاتؤدي دورها بالشكل المطلوب والفعال، والمظاهر السياسية في دول الخليج تؤكد ذلك).
ومن الطريف أن الدكتور محمد العشيري يرى أن هناك دلالات سلبية لكلمة (معارضة) في الذهنية العربية، حيث يستشهد بما جاء عن معناها في معجم (أساس البلاغة) للزمخشري من أن البعير الذي لايستقيم في سيره مع القافلة يسمى بالبعير المعارض.
ويتهم السياسي الكويتي على الشراح قوى المعارضة العربية بأنها جزء من مشكلة الوضع السياسي وليست جزءاً من الحل.
ويدعو القوى المثقفة والمعارضة السياسية العربية إلى أن تتفهم طبيعة التغيرات التي تحدث في المنطقة العربية، وكأنه بذلك يشير إلى المعارضة الخليجية من طرف خفي، خصوصاً في البحرين والكويت والسعودية، بعد إحساسه بأن الجارة إيران تحاول تصدير الثورة المذهبية إليها، كما يدعو الطرف الحاكم أيضاً إلى أن أن يطور من آلياته، بحيث يغير من ذهنيته وعقليته تجاه تعامله مع شعبه.
والغريب ما كتبه احدهم حول المعارضة البحرينية، وكان يقصد بها المعارضة الشيعية، حيث رأى أنها تسير على خطى معارضة لبنان، إذ قال: (إن السيناريو الذي تعتزم الكتلة الشيعية تنفيذه يقترب من سيناريو المعارضة اللبنانية (قوى 8 آذار) التي قاطعت الحكومة ثم نزلت الشارع للحصول على تمثيل الثلث إضافة إلى واحد بالحكومة وهو ما ترفضه الأغلبية النيابية)، لكن ما ذكره هذا الكاتب في تحليله يعود إلى بدايات افتتاح المجلس النيابي الحالي حين قاطع نواب الوفاق حضور جلسة انتخاب الرئاسة.
وفي اعتقادي أن الوضع في البحرين مختلف جداً وأن كثيراً ممن كانوا مسيرين من قبل المرجعيات وخصوصاً المثقفين صاروا يعيدون حساباتهم، وهم يرون أن النموذج العراقي لم يحقق سوى الدمار، وأن النموذج اللبناني مختلف كثيراً، وأن التغلغل الإيراني غير قادر على اختراق السياج الأمني الخليجي، وأن مباحث بلدانها وأجهزتها الأمنية قادرة على اختراق معظم القوى السياسية، لا لأن الحجاب مكشوف عنها بل لأن الوضع الامني يدفعها إلى الصرف بسخاء غير متوقع على هذه الأجهزة.
 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb