أشواق المقدسيين في رمضان
مرت علينا منذ أيام وتحديداً في الحادي والعشرين من أغسطس 2010، والموافق للحادي عشر من شهر رمضان المبارك 1431هـ، ذكرى الحريق المتعمَّد للمسجد الأقصى المبارك، الذي تعرض له على يد مسيحي صهيوني متطرف يدعى دينيس مايكل من أستراليا في الحادي والعشرين من أغسطس 1969، والذي أتى على منبر المسجد، وبعض سطحه الجنوبي، وسقف ثلاثة أروقة من المسجد المبارك، وبعد ذلك – كما هي العادة – ادعى الصهاينة أن مرتكب الجريمة معتوه، ومن ثم أطلقوا سراحه.
تحل علينا هذه الذكرى هذا العام وهي تحمل إلينا حزمة جديدة من أشواق المقدسيين للمسجد الأقصى، فيسارع نحو 150 ألف فلسطيني لأداء صلاة الجمعة الثانية بالمسجد الأقصى المبارك، وبالرغم من إجراءات الاحتلال التعسفية على الحواجز العسكرية المؤدية إلى مدينة القدس، إلا أن ذلك لم يمنعهم من الذهاب إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه، من دون أن تروعهم أو تردعهم مراقبة الكاميرات الصهيونية التي نُصبت في أسواق القدس وعلى أسوارها.
هذا الشوق هو الذي دفع إحدى النساء - في الأربعين من عمرها – إلى الذهاب للصلاة في المسجد الأقصى، وعلى مقربة من جدار الفصل العنصري يتم منعها من قبل جنود الاحتلال بعد سجال لساعات، فما كان منها إلا أن افترشت المصلى وأقامت صلاة الظهر هناك، وهي تقول: «جئت من مدينة الخليل للصلاة بالقدس إلا أن جنود الاحتلال منعونا، أسأل الله أن يحتسب صلاتي بخمس مائة صلاة».
وعلى حاجز (قلنديا) الفاصل بين مدينتي رام الله والقدس تلحظ المئات من الفلسطينيين يؤدون صلاة الجمعة تحت أشعة الشمس بعد منعهم من دخول القدس التي تزينت في هذا الشهر الكريم لأهلها، ومدَّت لهم البُسُط، وفتحت لهم صدرها، وكأنها تريد ضمهم إليها، ولن يخفى عليك مشهد الدموع التي تسيل، والعيون الشاخصة والأبصار المتعلقة، وتسمع من هنا وهناك من يقول: «إن القدس اشتاقت لنا أكثر من شوقنا لها.. كل حجر بالأقصى بكى على ضعفنا وقلة حيلتنا».
إنها صورة من آلاف الصور التي يتم منعها من الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، وعلى الرغم من علم هؤلاء الأشخاص بمنعهم والوقوف في وجه أمنياتهم بالصلاة في المسجد الأقص المبارك إلا أنهم يصرون على تكرار الذهاب ومعاودة الكَرَّة عسى الله أن يأتي بالفرج، وكأنهم يوجهون رسالة للأمة مفادها: «إن عزائمنا لم ولن تكل، وإن محاولاتنا لن تقف، حتى يتحقق مرادنا ليس بالصلاة فيه وحسب، وإنما بتحريره من أسره، وإعادته إلى دائرة الأملاك الإسلامية مرة أخرى».
هذه الصورة الوضيئة تبث الأمل في قلوبنا، وتبشرنا أن المشروع الإسلامي في صعود؛ وأن أسهم القضية في تزايد، وأن المشروع المقاوم التحرري في طريقه للعودة مرة أخرى في داخل فلسطين وخارجها، وهو ما يبشر بقرب تحرير الأقصى وكل بلاد المسلمين بإذن الله تعالى.


