في أحد أشد المشاهد عظمة وتأثيراً، ذلك الشخص الوحيد في سجنه الصغير الذي ليس له صديق ولا صاحب، والتراب يغطيه من كل جانب، وهو يرجو الخروج من هذه العتمة والظلمة والعودة إلى الحياة ونورها، ولكن ليس لجمالها أو لمتاعها وإنما لأمر أعظم من ذلك.
وهذا هو حال الإنسان المسرف بالذنوب والمقصر في الطاعات، الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بعدما جاءت إليه المَنِيَّة، وهو يتضرع لجلال الله متوسلاً إليه، صائحاً: «رب ارجعون..»، وهو يقول كما ذكر المولى: «ربِّ لولا أخَّرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّق وأكنْ من الصالحين»، فبالرغم من هول ذلك الموقف إلا هذا الإنسان وكأنه لايريد الخروج إلى هذه الدنيا إلا من أجل التصدق والإنفاق، مفضِّلاً إياها على جميع الطاعات، وذلك مما يبرز عظمة وقيمة (الصدقة) التي فاقت الكثير من الصالحات.
فالصدقة عمل عظيم وأمر مجبول عليه في الإسلام، بل إنه ركن من أركانه، والصدقة فريضة على كل مسلم غنياً كان أم فقيراً، فالغني تُستوجَب عليه الزكاة والإنفاق في سبيل الله ومساعدة الناس، أمّا الفقير فقد عوَّضه الله جل شأنه بالتصدق غير المادي، كالتصدق بالعلم أو بالنصح والإرشاد أو حتى بالابتسامة ونحوها. وكل هذا لِما للصدقة من مكانة عند الله جلّ في علاه. وعلاوة على ذلك فإن حاجة الأغنياء للصدقة لاتقل عن حاجة الفقراء، فمساعدة المسلم لغيره هي مساعدة لنفسه، ومن كان في عون غيره كان الله في عونه.
ومن جانب آخر، فإن في بسْط اليدين للناس ومساعدة الفقراء ما يقوِّي الروابط الإنسانية وما يحقق التكافل في المجتمع، والتي من خلالها تزداد الألفة والمحبة بين الناس، وتقرِّبهم أكثر إلى دينهم وتحببهم فيه. ومن ناحية أخرى، فقد أصبح هذا العمل بمثابة الجهاد، بل إن الله عز وجل قدمه على الجهاد بالنفس، عندما قال سبحانه: «وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم». وعطفاً على ذلك فإن الله تبارك وتعالى يبارك في أموال المنفق ويجعلها في ازدياد ونماء، كما قال الحبيب عليه الصلاة والسلام: «ما نقصت صدقة من مال».
وتتجلى أبرز آثار هذا العمل أيضاً، في أنه يداوي المرضى ويطفىء من غضب الرب جل وعلا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «داووا مرضاكم بالصدقة»، وهو القائل «الصدقة تطفىء غضب الرب». وإضافة إلى ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يجزي المتصدقين ومنفقي الأموال خلَفاً، ويجزي الممتنعين والممسكين عن ذلك تلَفاً، وأفضل ما يعوض الله تعالى عباده المنفقين به أنه جعل لهم باباً خاصاً في جنته يضمن لهم الرضا والسعادة الأبدية.
فحري بكل مسلم أن لايغفل عن هذا العمل الجليل، وأن يسعى جاهداً للوصول إلى قمته ويخلص فيه، فلعل صدقةً خرجت من غير تكلف أطفأت ذنوبا بلغ الجبال لهيبها، ومن يصدق مع الله كان الله صادقا معه.