العدد 187 - 2012-02-01 - 09-02-1433

ما مدى التفاؤل في إمكانية فك الاشتباك الشيعي السني في الخليج؟

بعد أن اطلعت عبر الإنترنت على كتاب (الشيعة السعوديون.. قراءة سياسية وتاريخية للباحث إبراهيم الهطلاني) ومقالات أخرى حول الشيعة في دول الخليج، كدت أصل إلى نتيجة مؤلمة تكاد توصلني لدرجة اليأس، حتى صار السؤال التالي يطرح نفسه بإلحاح وهو: هل بات من المستحيل فك الاشتباك الشيعي السني في دول الخليج للعمل ضمن نسيج وطني واحد؟
من الواضح أن الكثيرين يُلقون باللوم أولاً على عدم قدرة دول الخليج على حل الأزمات والمشكلات الداخلية، ومن بينهم الباحث زياد منى الذي قام بتحليل كتاب (الشيعة في السعودية) لمؤلفه الشيعي السعودي المعارض فؤاد إبراهيم حيث يقول: «نادرة هي الكتب التي تتعامل بصراحة مع المعضلات الإثنية والمذهبية في العالم العربي تحديداً، مع أن ثراءه الإثني والديني والمذهبي يمكن أن يجعل منه قوس قزح يتباهى به أمام أمم العالم. إلا أن إهمال ما يجلبه هذا التنوع من مشاكل ومعضلات يُعَرِّضه بكل تأكيد لأخطار حقيقية تهدد أمنه بل ووجود دوله وأمنها الداخلي».
فهل فعلا وصلنا لدرجة اليأس؟ وما الجهة التي تفرض علينا أن نبلغ هذه الدرجة؟
في اعتقادي أن المثقفين المتنورين من السُّنَّة وخصوصاً من طبقة اللبراليين بل وحتى المتدينين منهم بريئون من دفع عجلة الالتقاء إلى الخلف، أو حتى وضع العصى فيها، فهم ربما لايشعرون بنفس العُقَد التي تراكمت في دول الخليج لدى الشيعة، الذين لاتترك لهم شحنات التثقيف اليومي للمآتم والحسينيات فرصة للتأمل، ثم شعورهم بأن الحكم لدى أهل السنة في هذا الإقليم يعمِّق لذيهم هذا الشعور في اعتقادٍ منهم بأنهم مظلومون دائماً حتى ولو لم يكونوا كذلك، رغم أن بلداناً خليجية كالبحرين تحاول الأخذ بخاطرهم أكثر من السنة، لكن الدندنة المستمرة على وتر الإحساس بالظلم يجعلهم يتوهمون أموراً غير حقيقية، كأن يقولوا إن المدن أكثر عمراناً وتنسيقاً وتجميلاً من القرى من منطلق مذهبي كون كثير من الشيعة يسكنون القرى، بالرغم من أن إهمال القرى والأطراف لايأتي من منطلق طائفي، إذ هناك مناطق سنية أخرى من القرى والريف مهملة أكثر من غيرها، فمن قال إن الرفاع الشرقي والغربي بها تلك الشوارع المزروعة الجميلة، فمن يدخل ما يسمى تهكماً - في الرفاع الشرقي - بلبنان يجد أن منازلها خربة لاتصلح للبشر، ووالحال كذلك في الزلاق والجسرة وغيرها وهي مناطق سنية لم تطلها يد الإصلاح.
وأكاد أتفق مع مؤلف كتاب (الشيعة في السعودية) الذي يرى في مجال نقده للذات الشيعية أن هذا النقد يتعرض لضغط قوتين كامنتين هما الإحساس بالخطر والمبالغة فيه ثم الإحساس بالتمييز والمبالغة فيه.
كما إنني أتفق مع الباحث إبراهيم الهطلاني صاحب كتاب (الشيعة السعوديون) في ضرورة عدم التوهم بتسييس كل الأمور وإرجاعها للتفرقة المذهبية، حيث يرى على سبيل المثال أن الملك عبدالعزيز بن سعود رحمه الله حين قام بعمليته الوحدوية لم ينطلق من منطلق مذهبي سني، غير أن فتوحاته كانت بالحرب ضد أية مدينة مقاوِمة سنية كانت أم شيعية، ففي القطيف الشيعية التي استسلم حاكمها لم تتم إراقة قطرة دم واحدة، بينما في حائل والحجاز وهي من المناطق السنية التي رفضت النيل من استقلالها تم إخضاعها بالعنف، فالقضية لم تكن مذهبية كما كانت سياسية، والذي يجعل المرء يشعر باليأس من فك الاشتباك بين الشيعة والسنة في الخليج الثقافة التي يزيد عمرها على 1400 سنة منذ الاختلاف في سقيفة بني ساعدة حيث رفض أنصار الإمام علي أن تتم مبايعة أبوبكر قبل علي.
ويرى الأستاذ عبدالرحمن الراشد رئيس تحرير صحيفة (الشرق الأوسط) أن من الخطأ التعميم وإطلاق الكلام على عواهنه كما ورد في سؤال له من قبل قناة (الجزيرة)، حيث يؤكد إن الكُتَّاب الشيعة غير ممنوعين من العمل في الصحافة، وكثير منهم زملاء له في المهنة، كما يرى أن منع بعض كتب الشيعة من الطباعة لا لكون مؤلفها شيعياً، فهناك كتب ممنوعة لغيرهم من السنة، فعلى سبيل المثال هناك ثلاثة أو أربعة كتب للمرحوم غازي القصيبي ممنوعة مع أنه سني ووزير ومن عائلة معروفة.
ونجد أن مؤلف كتاب (الشيعة في السعودية) أفرد فصلاً من فصول كتابه نقداً للذات الشيعية يورد فيه مدى عدم ترك الفرصة أمام العناصر الإصلاحية الشيعية للقيام بعملية التقريب بين الطائفتين المسلمتين. وهنا أعود للباحث زياد منى في دراسته للكتاب ليتحدث باستفاضة عن هذا النقد، لتتضح الصورة بعدها وهي إنَّ من الصعب إنْ لم نقل من المستحيل إنهاء التشابك الحالي ما دامت هذه المآتم تغذي وتشحن البسطاء وحتى المثقفين بهذا الشحن الطائفي، ومع وجود غلاة بين علماء السنة الذين صاروا يكفِّرون الشيعة بدل أن يتحدثوا معهم بلغة مقنعة ولينة كما أمر الله سبحانه وتعالى بذلك. ويرى المؤلف وجود حاجة ماسة لمراجعة التراث الشيعي، بل ويقول إن فيه ما يستحق أن يكون طعاماً للنار، ومن ذلك ما يقال بحق الخلفاء الراشدين، ومنه على سبيل المثال قوله «فهل من الزين في شيء أن يكتب أحدهم في الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كلاماً لايصدر الا عن معتوه أفَّاك، ثم ينسب ذلك الى أئمة أهل البيت؟ وهل من الدعوة إليهم النيل من الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) بكلام لايتفوه به إلا شذاذ الآفاق؟».
ويستحضر المؤلف في مجال إدانته تقليد السب والشتيمة قولاً منسوباً إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في معركة صفين «أني أكره لكم أن تكونوا سبَّابين» والكلام كله للمؤلف الشيعي فؤاد إبراهيم.
ويضيف الباحث بقوله: «ولذا فإنه يرى أنه بقراءة المجموعات الروائية الكبرى لدى الشيعة يتصح أن هناك تناقضاً حاداً بين الأحاديث المنسوبة إلى الأئمة، مما يشي بأن ما حذروا منه من تسرب الكذب عليهم في كتب الحديث قد وقع بالفعل، والدليل روايات فبْرَكها غلاة الشيعة القدامى للنيل من الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين»، وهذا الكلام الذي بين قوسين أيضا للمؤلف فؤاد إبراهيم نفسه.
لكننا حين نقرأ الأمثلة التي أتى بها الكاتب لكثير من العلماء وحتى المرجعيات الشيعية الذين حاولوا كسر حاجز الخوف لتصحيح تلك الثقافة التقليدية لدى الشيعة، وانتشال المذهب الشيعي من أحقاده التقليدية وتراكمات حشو عقول البسطاء من إضافات ومبالغات، ثم نتعرف كيف تمت مواجهة هؤلاء الإصلاحيين بعنف واستهجان لآرائهم نصل بالفعل إلى درجة اليأس، حيث يقول الباحث نفسه «يستحضر الكاتب أمثلة على تعرض بعض المصلحين الشيعة للمعاناة على أيدي الشيعة أنفسهم بسبب محاولاتهم التصحيحية، ومن هؤلاء محمد حسين النائيني والشيخ مهدي الخالصي والسيد محسن الأمين والسيد أبوالحسن الأصفهاني والشيخ محمد جواد مغنية والشيخ حسين المنتظري والشيخ محمد حسين فضل الله الذين أعملوا النقد الهادىء في بعض الممارسات الطقوسية الشيعية، فهاج العوامُّ وشُهِرت فتاوى التكفير بهم».
فماذا كانت النتيجة؟ لقد انتهت بتراجيديا أشبه بعمل ميلودرامي، حيث اضطُر النائيني لسحب رسالته (تنبيه الأمة في تنزيه الملة)، ولُطِّخت سمعة الشيخ الخالصي حتى بأت الجهلة يطلقون اسمه على حذاء الحمام، ونُزِع عن الأمين نسَبُه الهاشمي، وتصدعت مرجعية الأصفهاني في العراق، ونال المنتظري الحيف من أقطاب الحوزة في قُم، وصدرت فتاوى تكفير بحق السيد فضل الله الذي  رجَّح بطلان رأيه في حادثة تاريخية لاتمُتُّ للعقيدة بصلة.
لكن مؤلف الكتاب لم يبلغ درجة الياس بل كان رغم كل تلك الأمثلة متفائلاً، حيث أصر على أن الحل ممكن، فهو يرى أن هناك إمكانية حقيقية للتعايش ضمن الدولة الوطنية لكل أبنائها، وهذا يتطلب بالضرورة تفكيك المقدس ووضع قياسات جديدة له.
لكن الباحث إبراهيم الهطلاني السني صاحب كتاب (الشيعة السعوديون) يرى أن الذي فرض هذا الواقع على الطوائف هو أمر آخر، حيث يرى أن سببه هو أن الواقع السعودي المحاط بأسوار عالية من الكتمان السرية أسهم في تغذية التصورات السائدة لدى مواطنيها السنة والشيعة وكذلك القراء والدارسين خارج السعودية.
وصدق الهطلاني في مقدمة كتابه الذي رأى فيه أن بحثه محكوم بألغام وعوائق. ويرى الكاتب حسين حمزة في قراءته لكتاب الهطلاني أن المؤلف يدرك صعوبة تحقيق انقشاع ولو طفيف في التنميطات السائدة والمتبادلة بين السنة والشيعة ما دامت هناك صورة نمطية وحادة رُسِمت في الذهنية الشيعية منذ أربعة عشر قرناً عن أهل السنة، وغُذِّيت عقائدياً وتربوياً من خلال المراجع الدينية، واستخدمت في مراحل تاريخية عدة من جهات سياسية وإقليمية، كما استخدمت الشعارات السنية كذلك وللأسباب نفسها.
فما هو موقع القراء بين التفاءل والتشاؤم في إمكانية فك الاشتباك الشيعي السني في دول المنطقة، ليعملوا جميعاً ضمن نسيج وطني واحد يخدم الاستقرار والتنمية؟

إعلانات

Developed By: Frecsoweb