العدد 187 - 2012-02-01 - 09-02-1433

تخـوفات واشـــنطن من تغييــر مواقـف أنقــرة

توازنات تركيا في علاقاتها بين الغرب والعالم الإسلامي
- عبدالله الطاهر
114-25.jpg

تأتي التأكيدات التركية بتمسكها بالعلاقات مع الغرب وطرح نفسها على أنها قوة إقليمية تبحث عن أسواق جديدة في آسيا والشرق الأوسط، في وقت أبدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية قلقها من تغيير تركيا سياستها حيال الغرب.
وجاء قلق الولايات المتحدة حليفة تركيا في حلف شمال الأطلسي، بعد تصويت أنقرة السلبي في الأمم المتحدة لفرض عقوبات جديدة على طهران تبناها مجلس الأمن الدولي في شهر يونيو الماضي، حيث أعربت عن خيبتها من السلوك التركي.
وجاء رفض تركيا بعد أيام على هجوم وحدة من البحرية الصهيونية على أسطول مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة في 31 مايو الماضي، لكسر الحصار الذي يفرضه الكيان الصهيوني على القطاع، وأدى الهجوم إلى مقتل تسعة أتراك وإلى تدهور العلاقات بين تركيا والكيان الصهيوني.
وكانت العديد من الاتهامات قد وُجِّهت إلى تركيا كونها تتحرك وفق استراتيجية تُبعِدها عن القوى الغربية وتقربها من العالم الإسلامي، وهي اتهامات رفضها الرئيس التركي عبدالله غول، ووصفها بأنها «غير مقبولة»، مؤكداً في الوقت ذاته أن بلاده «تنتمي إلى أوروبا».
وصرّح غول لصحيفة (التايمز) البريطانية بداية شهر يوليو الماضي «لا داعي للشكوك في ما يتعلق بتركيا»، موضحاً أن علاقات بلاده تتجاوز العالم العربي.
وقال «اعتبر أنه من الخطأ الفادح تفسير مصالح تركيا في مناطق جغرافية أخرى على إنه قطيعة مع الغرب أو تحول عنه أو سعي إلى بديل له. فتركيا تنتمي إلى أوروبا».
وخالفت تركيا الحليفة الأطلسية والطامحة إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، حلفاءها عندما رحبت بإعادة انتخاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، في الانتخابات المثيرة للجدل التي جرت العام الماضي، ثم عند رفضها في منتصف يونيو الماضي التصويت على عقوبات جديدة في مجلس الأمن بحق إيران، بسبب برنامجها النووي الذي يثير مخاوف لدى الغرب.
وذكرت صحيفة (فايننشال تايمز) الأسبوع الماضي أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما حذر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من أن المواقف التركية حيال كل من الكيان الصهيوني وإيران يمكن أن تقلص فرص أنقرة في الحصول على أسلحة أمريكية.
وأكدت الصحيفة الاقتصادية نقلاً عن مسؤول أمريكي كبير أن «الرئيس (أوباما) قال لأردوغان إن بعض المواقف التي اتخذتها تركيا أثارت أسئلة ستتم مناقشتها في الكونغرس».
وأضاف المسؤول طالباً من الصحيفة عدم ذكر اسمه أن هذه الأسئلة تتعلق بـ»ما إذا كان بإمكاننا أن نثق بتركيا كحليف».
ويعتزم أردوغان شراء طائرات استطلاع أمريكية لمكافحة التمرد الكردي المسلح الذي يقوده حزب العمال الكردستاني انطلاقاً من قواعده الخلفية في الجبال العراقية الشمالية، وذلك بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق نهاية عام 2011، بحسب الصحيفة.
وأوضح المسؤول الاميركي الكبير أن «هذا يعني أن بعض المطالب التي قدمتها تركيا إلينا، ومنها على سبيل المثال تزويدها بأسلحة لقتال حزب العمال الكردستاني، سيصبح أكثر صعوبة علينا تمريرها في الكونغرس».
وبحسب الفايننشال تايمز فإن أوباما طلب من أردوغان أثناء لقائه به في قمة مجموعة العشرين في تورونتو في يونيو الماضي بأن تخفف تركيا من حدة لهجتها في ما يتعلق بالهجوم الصهيوني على قافلة الحرية التركية.
ومع كل ذلك فإن بعض المراقبين يرون أن تركيا لديها فرصة في يدها لتضغط على الولايات المتحدة من أجل تقديم امتيازات إضافية لها سواء كان ذلك عسكرياً أو اقتصادياً أو سياسياً، خاصة في ظل حاجة أوباما لانسحاب آمن من العراق وتحسين صورة أمريكا في العالم الإسلامي، ولاسيما فيما يتعلق منها بدعم موقف أنقرة بشأن القضية القبرصية.
وقد أشارت العديد من التقارير إلى مطالبات في الدول الغربية بإعادة النظر في بقاء تركيا كجزء من البناء الدفاعي الغربي، وهي تدفع بأسباب لتحقيق ذلك بدءاً بالحديث عن مدى علمانية الدولة في تركيا، ومبادىء حلف شمال الأطلسي، إلى الليبرالية السياسية، وأخيراً إلى سياسة تركيا مع ما تسميه نظم الشرق الأوسط المضادة للغرب.
ومع كل ما تقوم به تركيا في سبيل إرضاء الدول الأوروبية من أجل الانضمام إلى اتحادها فهي غير مرضي عنها، فهي منذ أن بدأت في عام 2005 مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فإن هذه المباحثات لاتتقدم بسرعة، ولم يتم فتح إلا ثمانية فصول من الـ35 فصلاً التي تشملها تلك المباحثات، حيث تم تجميد ثمانية فصول أخرى منذ ديسمبر 2006 بسبب رفض تركيا فتح موانئها ومطاراتها أمام سفن وطائرات جمهورية قبرص التي لاتعترف بها تركيا.
وتعطل فرنسا التي يعارض رئيسها نيكولا ساركوزي انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، خمسة فصول أخرى ترتبط بشكل مباشر بمسار الانضمام للاتحاد.
ومع ارتفاع التخوفات والقلق الأمريكي بدأت في الأفق إشارات سعي تركي لتبديد تلك المخاوف، وقد ذكرت الصحافة ومسؤولون أتراك يوم الأربعاء الماضي أن وفداً من الدبلوماسيين الأتراك سيجتمع هذا الأسبوع في واشنطن مع مسؤولين أمريكيين لتبديد قلقهم من تغيير تركيا سياستها حيال الغرب.
وسيجتمع أعضاء البعثة التي سيقودها الرجل الثاني في وزارة الخارجية التركية فريدون سينيرليوغلو مع مسؤولين في الخارجية الأمريكية وأعضاء في الكونغرس وممثلين عن المجتمع المدني بحسب ما قال دبلوماسي لوكالة فرانس برس.
وسينقل الوفد التركي رسالة مفادها أن تركيا «لاتختلف كثيراً عن الولايات المتحدة (حول القضايا الإقليمية) وأن البلدين يتقاسمان الأهداف نفسها لكنهما يختلفان في طريقة التعامل، وهذا لايعني تغييراً في السياسة الخارجية التركية»، حسبما قال مسؤول تركي لوكالة أنباء الأناضول طلب عدم الكشف عن اسمه.
وسيكون البرنامج النووي الإيراني والعلاقات بين الكيان الصهيوني وتركيا والحرب في أفغانستان والوضع في العراق على جدول أعمال المباحثات.
ونفى البيت الأبيض الأسبوع الماضي أن يكون أعطى تركيا «مهلة» بسبب موقفها من ملف إيران النووي ومواقفها الأخيرة من الكيان الصهيوني كما ذكرت صحيفة (فايننشال تايمز).
وتواجه تركيا في الوقت الراهن وضعاً يقتضي تحقيق موازنة دقيقة بين شركائها القدامى والجدد بعد أن تواصلت مع دول تتجاوز حلفاءها التقليديين الغربيين ودعمت وضعها كقوة إقليمية.
وفوق كل ذلك تقف أمامها مجموعة من القضايا التي تحتاج إلى مزيد من الحسم وعلى رأسها تحديد دور الدين في الحياة السياسية التركية، خاصة بعد الخلافات الكبيرة حول الحجاب في الجامعات الذي كان قد سبب أزمة بين الحكومة وأرباب العلمانية والمدافعين عن حصنها، بالإضافة إلى ملف علاقات تركيا الخارجية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وآخرها الملف الكردي في تركيا ونشاط حزب العمال الكردستاني العسكري في تركيا وشمال العراق.
ويرى بعض المراقبين أن تركيا يشار إليها في الأوساط الغربية على أنها تمثل المثال الأفضل للتوفيق بين المجتمعات الإسلامية ومبادىء الديمقراطية الغربية في ظل حزب العدالة والتنمية، رغم الاتهامات التي توجهها القوى العلمانية والجيش إلى حكومة رجب طيب أردوغان بأنها تسعى للقضاء على النظام العلماني التركي، رغم انفتاحهم على العالم الغربي، وهو ما ينفيه حزب العدالة والتنمية.

إعلانات

Developed By: Frecsoweb