– ناصر البهدير
من يصدق أن بلاغات الكهرباء يوم الجمعة الماضية الموافق 27 أغسطس الجاري بلغت 112 بلاغاً على حد قول أحد مسؤولي استقبال شكاوي الأعطال والصيانة! إنه قول لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونحن نقص عليك أيها القاريء الكريم نبأ مسأوي الإدارة الضعيفة التي تمسك بتلابيب ومفاصل العمل التنفيذي داخل هيئة الكهرباء والماء، على امتداد شهور الصيف المرهقة والمكتظة بالقطوعات والأعطال المتكررة بين الحين والآخر.
لسنا حريصين على تتبع عورات الكهرباء عن كثب رغم وضعنا المهني الذي يتيح لنا ذلك إلا أن الأقدار ساقت لنا هذه الوجبة المجانية مساء الجمعة الفائت، عبر تلكؤ طويل امتد من الساعة الخامسة والنصف مساءً إلى الرابعة صباحاً من فجر اليوم التالي، وكل هذا لمعالجة قَطْع جزئي بمنزل عادي بالبلاد. أي هدر للوقت والطاقة أكثر من ذلك؟!
إذا ما سألت فستعجب من حال المعالجات التي تتم بسلحفائية مقيتة لاتفيد بأحوال الرقي المنتظر باقتصاد البلاد، وكلنا يعرف أهمية البنية التحية في تدعيم اقتصاد أية دولة مهما بلغت من الكبر عتياً، فدولة بلا بنية تحتية مهما بلغت من الإنتاج الاقتصادي الكبير هي أشبه بحال من يحرث الأرض ليزرع في فضاء السراب.
وما أقبح العذر عندما يحاججك موظف صغير قابع خلف منضدة أنيقة، ويتحجج ويتعذر لك بضعف وقلة القوى العاملة تجاه الأعطال الكثيرة في فصل الصيف اللاهب! وهل الصيف يأتينا بغتة كل عام كما رياح اليوم المتقلبة في ساعات النهار حتى يغلب الإمكانيات الكبيرة التي تمتلكها الكهرباء من واقع ما نشاهده يومياً من خلال حركة أرتال سيارتها الكثيرة التي تجوب أنحاء البلاد بغرض ولا غرض؟
إن وجود أعطال بهذا الكم الهائل مقارنة بعدد السكان يحتاج إلى وقفة جادة في بلد مساحتها صغيرة لاتتجاوز الثمانمائة كيلو متر ولن تبلغها. ووجود الأعطال المتكررة يعني احتمالاً واحداً لا ثاني له، وهو أن البنية التحتية لهيئة الكهرباء والماء مصابة بعجز كبير وتلفيات عميقة تصل إلى مستوى عدم القدرة على الإصلاح البسيط، كما تحتاج إلى التجديد وليس إلى الصيانة فقط من خلال المعالجة التي تجري في حال وجود الخلل بصورة لاتمت بصلة إلى معالجة جذرية تقضي على دابر العلة وليس على الندوب السطحية.
إذاً على الإدارة أن تأخذ كلامنا مأخذ الجد لكى لاتتوه كل عام في لجج الأعطال البسيطة، وحتى نستطيع القول بالفم المليان إن مشروع الربط الكهربائي الخليجي قد اكتمل وإن كمية الكهرباء المنتَجة بالبلاد فائضة عن الحاجة.
صحيح أنه إلى حد ما إن المشكلة الحقيقية ليست في نقص إنتاج الكهرباء بالبلاد كما يحدث في كثير من دول العالم الأخرى المجابَهة بندرة موارد الطاقة، بل المأساة تكمن في أن المشكلة لاتتعدى كما يبدو حدود الشبكة الحالية المهترئة التي أكل عليها الدهر وشرِب منذ عشرات السنين، رغم التطور العمراني الذي يزحف بخطى حثيثة ومتسارعة إضافة إلى نقص العمالة الفنية.
وما يحير أكثر أن الدولة ماتزال تتبنى معالجة القطوعات التي داخل دائرة المنازل مما يكبدها المشاق الذي يقعد بعملها الأساسي المتمثل في إصلاح شبكتها فقط وليس الالتزام بمعالجة القطوعات الداخلية، إذ ماتزال تسيطر بقوة على فاصلة أي منزل دون التفكير في التخارج من هذه الورطة المعيقة لعملها.
وثاني الأمرين، وأكثر المنازل لتبديد الموارد المالية للهئية ومضيعة لها، هو اعتمادها على نظام العدادات التقليدي الذي لايتيح لها حماية مبيعاتها مهما أوتيت من قوة لما للإنسان من قدرات على التحايل والنفاذ من صلب الشراك المنصوبة له.
فتجربة جنوب أفريقيا والتي اقتدت بها الكثير من الدول المتطورة والنامية منذ أكثر من عقد، تجربة ناجحة بكل المقاييس. فلقد اعتمدت على نظام الدفع المقدم مثله ومثل شركات الاتصال وغيرها من المؤسسات الأخرى، وبذلك أحكمت حماية المبيعات بشبكة واقية، وفي الوقت ذاته استطاعت أن توفر لخزينة الدولة مبالغ طائلة كانت مهدرة في التلكؤ في عمليات السداد، ومنها عملت على معالجة بنيتها التحتية بأسرع ما يكون، وبذلك قضت على كل مظاهر القطوعات المتخلفة والمهدِرة للجهد والطاقة والمال والعنصر البشري.
وما أردناه بقولنا، ينصب في المساهمة في عملية التطوير والرقي بهئية الكهرباء والماء حتى لانشهد صيفاً قادماً مثل هذا.