العدد 187 - 2012-02-01 - 09-02-1433

قِسُّ بن ساعدة الإيادي

قِسُّ بن ساعدة الإيادي
-٢٣.jpg

من الحنيفيين الفصحاء الحكماء، وكان يجبه الناس في سوق عكاظ، ويبشرهم بما يؤمن به من وحدانية الإله والسيرورة إلى الآخرة بين قوم تمكنت فيهم عبادة الأسلاف، والتماس الصواب في أفعالهم. وقد سمعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يافع لم يوحَ إليه، وظل يذكره حتى بعد البعثة بل وبعد الهجرة.
ثم أقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الإيادي؟ فقال الجارود: فداك أبي وأمي كلنا نعرفه وأني من بينهم لَعالمٌ بخبره واقفٌ على أمره. كان قس يا رسول الله سَبْطاً من أسباط العرب، عمَّر ستمائة سنة تقْفَرُّ منها خمسة أعمار في البراري والقفار، يضج بالتسبيح على مثال المسيح لايُقِرُّه قرار ولاتكنه دار ولايستمتع به جار. كان يلبس الأمساح ويفوق السياح ولايفتر من رهبانيته. يتحَسَّى في سياحته بيض النعام ويأنس بالهوام ويستمتع بالظلام. يبصر فيعتبر ويفكر فيختبر، فصار لذلك واحداً تُضرَب بحكمته الأمثال، وتُكشَف به الأهوال. أدرك رأس الحواريين سمعان وهو أول رجل تأَلَّه من العرب ووَحَّد وأقرَّ وتعبد وأيقن بالبعث والحساب، وحذَّر سوء المآب وأمر بالعمل قبل الفوت، ووعظ بالموت وسلم بالقضا على السخط والرضا، وزار القبور وذكر النشور، وندب بالأشعار وفكر في الأقدار وأنبأ عن السماء والنماء، وذكر النجوم وكشف الماء ووصف البحار وعرف الآثار، وخطب راكباً ووعظ دائباً وحذَّر من الكرْب ومن شدة الغضب، ورسَّل الرسائل وذكَّر كل هائل، وأرغمَ في خُطَبِه وبيَّن في كتبه وخوَّف الدهر وحذَّر الأزر وعظَّم الأمر وجنَّب الكفر وشوَّق إلى الحنيفية ودعا إلى اللاهوتية، وهو القائل في يوم عكاظ شرق وغرب ويتم وحزب وسِلْم وحرب ويابس ورَطب وأجاج وعذب وشموس وأقمار ورياح وأمطار وليل ونهار وأناث وذكور وبرَار وبحور وحب ونبات وآباء وأمهات وجمع وأشتات وآيات في إثرها آيات ونور وظلام ويسر وإعدام ورب وأصنام، لقد ضل الأنام نشوُ مولود ووأْدُ مفقود وتربية محصود، وفقير وغني ومحسن ومسيء، تبَّاً لأرباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله وليفقدن الآمل أمله، كلا بل هو إله واحد ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى وأمات وأحيا وخلق الذكر والأنثى، رب الآخرة والأولى.
أما بعد فيا معشر إياد.. أين ثمود وعاد وأين الآباء والأجداد، وأين العليل والعواد، كل له معاد. يقسم قسٌ برب العباد وساطح المهاد لَتُحْشَرُنَّ على الانفراد في يوم التناد إذا نُفِخ في الصور ونُقِر في الناقور وأشرقت الأرض ووعظ الواعظ فانتبذ القانط وأبصر اللاحظ، فويل لمن صدف عن الحق الأشهر والنور الأزهر والعرض الأكبر، في يوم الفصل وميزان العدل. إذا حكم القدير وشهد النذير وبَعُد النصير وظهر التقصير، ففريق في الجنة وفريق في السعير. وهو القائل:
ذكر القلب من جواه ادكار
وليال خلالهن نهار
وسجال هواطل من غمام
ثرن ماء وفي جواهن نار
ضوؤها يطمس العيون وأرعاد
شداد في الخافقين تطار
وقصور مشيدة حوت الخير
وأخرى خلت بهن قفار
وجبال شوامخ راسيات
وبحار ميهاههن غزار
ونجوم تلوح في ظلم الليل
نراها في كل يوم تدار
ثم شمس يحثها قمر الليل
وكل متابع موار
وصغير وأشمط وكبير
كلهم في الصعيد يوماً مزار
وكبير مما يقصر عنه
حدْسه الخاطر الذي لا يحار 
فالذي قد ذكرت دل على الله
نفوسا لها هدى واعتبار
❃  ❃  ❃
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهما نسيت فلست أنساه بسوق عكاظ واقفاً على جمل أحمر يخطب الناس: اجتمعوا فاسمعوا وإذا سمعتم فعُوا وإذا وعِيتم فانتفعوا وقولوا، وإذا قلتم فاصدقوا. من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت. مطر ونبات وأحياء وأموات. ليل داج وسماء ذات أبراج. ونجوم تزهر وبحار تزخر. وضوء وظلام وليل وأيام وبر وآثام. إن في السماء خبراً وإن في الأرض عبراً يحار فيهن البصرا. مهاد موضوع وسقف مرفوع ونجوم تغور وبحار لاتفور. ومنايا دوانٍ ودهر خوَّان كحد النسطاس ووزن القسطاس. أقسم قس قسماً لا كاذباً فيه ولا آثماً لئن كان في هذا الأمر رضى ليكونن سخط. ثم قال أيها الناس إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه وهذا زمانه وأوانه.
ثم قال: ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون أَرَضوا بالمقام فأقاموا أم تُرِكوا فناموا. 
قال فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخ من عبد القيس عظيم الهامة طويل القامة بعيد ما بين المِنْكَبين فقال: فداك أبي وأمي وأنا رأيت من قس عجباً. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذي رأيت يا أخا بني عبد القيس؟
 

إعلانات

Developed By: Frecsoweb