العدد 187 - 2012-02-01 - 09-02-1433

هل تزايد ظهور حركات الصوفية مؤخراً لعبة جديدة للمخابرات الأمريكية والأوروبية؟

المتتبع هذه الأيام يجد أن في العديد من البلدان العربية وخصوصاً في بعض بلاد المغرب العربي أن حركات التصوف بدأت تنشط من جديد بعد أن هدأت لفترة طويلة في المراحل السابقة، بالرغم من أن التصوف كما يرى المفكر العربي ابن خلدون أن هذه الحركات بدأت تظهر في القرن الثاني الهجري، وأكد ذلك الكِنْدي في كتابه (ولاة مصر)، حيث ذكر أنه ظهرت في الإسكندرية طائفة يسمَّون بالصوفية، وكذلك المسعودي في كتابه (مروج الذهب)، كما ذُكِر في كتاب (كشف الظنون) أن أول من سمي بالصوفية أبوهاشم الصوفي المتوفى سنة مائة وخمسين للهجرة.
والغريب في الأمر ليس تاريخ نشأة التصوف بل ذلك الخلاف الكبير الذي حدث بين المسلمين وخصوصاً بين الكثير من علماء السنة تجاه التصوف والصوفية، ومدى قربهم أو بعدهم عن أهل السنة والجماعة، بل بلغ هذا الاختلاف حولهم أنْ كفَّرهم عدد من علماء السلف.
وبالرغم من أن العديد من الكتاب والمفكرين الإسلاميين المتعاطفين مع الفكر الصوفي حاولوا جعل هذا التصوف والمتصوفة في مرتبة عالية من الرقي والطهارة والتعمق في التدين إلا أن آخرين منهم حاربوا المتصوفة.
وكأن الله سبحانة وتعالى جعل من هذه الاختلافات في الفكر الإسلامي بمثابة ابتلاء للأمة المحمدية، إذ لم يكفِنا ما ابتُلِي به المسلمون من خلاف منذ سقيفة بني ساعدة حين بايع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا بكر الصديق رضي الله عنه خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم ليحسم الموقف، فظهر لنا من سمَّوهم بشيعة الإمام علي كرم الله وجهه واتخذوا منحى سياسياً فيما بعد مع ظهور الدولة الصفوية في إيران التي فرض دعاتها التشيُّع بالقوة، وهو ما لم يفعله المغفور له الملك عبدالعزيز بن سعود، وكان قادراً على فعل ذلك، عندما قرر وضع دولته تحت مسمى المملكة العربية السعودية، فلم يفرض الوهابية نفسها بحد السيف والتعسف والإرهاب على أصحاب المذهب الشيعي وتركوهم وشأنهم في مدنهم وأماكنهم واكتفى بتوحيد المنطقة جغرافياً وليس مذهبياً كما فعل الصفويون الفرس، وهذا دليل واضح في الرد على بعض إخواننا الشيعة الذين ينصبون العداء للفكر الوهابي، مع أن الصفويين ذبحوا الآلاف من السنة مما جعل الكثير من أهل السنة - الذين كانوا يقيمون في مناطق الساحل الإيراني وهم الذين يسمون (بالهولة) ومعظمهم كانوا ينحدرون من قبائل عربية سنية - يهاجرون منها ويقصدون دول الخليج، وكانت هجرتهم الثانية من الساحل إلى دول الخليج عندما فرض رضا شاه بهلوي كشف الحجاب على النساء.
ويرى أحد المؤرخين أن ما جرى في المملكة العربية السعودية جرى في البحرين حين دخلتها أسرة آل خليفة، إذ يؤكد بعض المؤرخين أن عدد إخوانهم الشيعة لم يكن يتعدى الربع حيث لم يكن عددهم سوى عدة آلاف فقط، ومع ذلك لم يضايقوهم ولم يفرضوا عليهم اتباع المذهب السني كما حدث في إيران.
والابتلاء الثاني كان ظهور العديد من الفرق الصوفية من مختلف بلاد المسلمين.
ويرى بعض من المؤرخين أن حركة التصوف في الإسلام انتشرت بشكل واسع في القرن الثالث الهجري كنَزعات فردية تدعو إلى الزهد والميل الشديد إلى التعبد، ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرقاً مميزة متنوعة تسمى باسم الطرق الصوفية، والتاريخ الإسلامي زاخر بعلماء مسلمين انتسبوا للتصوف مثل الإمام النووي والغزالي والعز بن عبدالسلام كما القادة مثل صلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح وعمر المختار وعز الدين القسام.
ويرى المؤرخون المحايدون الذين لايضمرون الكره للفكر الصوفي كبعض علماء السلف من السنة الذين يكفرونهم، أنه نتج عن كثرة دخول غير المتعلمين والجَهَلة في طرق التصوف وما نتج عن ذلك من ممارسات خاطئة عرَّضها في بداية القرن الماضي لهجوم المتعلمين في الغرب باعتبارها ممثِّلة للثقافة الدينية التي تنشر الخرافات، ثم بدا مع منتصف القرن الماضي الهجوم من قبل المدرسة السلفية باعتبارها بدعة ضالة دخيلة على الإسلام.
الغريب أن بروز أسماء إسلامية كبيرة عُرِفت بالميل إلى التصوف يجعل المرء لايوافق السلفيين في حربهم على حركات التصوف حتى بلغوا درجة تكفيرهم، إذ إننا في هذه الحالة سنكفر الملايين من المسلمين الذين انتموا للفكر الصوفي سواء عن وعي كما لدى عدد من فلاسفة المسلمين أو عن جهل كما في العامة، فكيف نكفر هذه الملايين الذين يؤمنون بالله ورسوله وأرادوا أن يبلغوا بصفائهم أقرب الطرق لله، مع أن رضى الله سبحانه وتعالى لايحتاج الوصول إليه طرقاً قصيرة أو طويلة، لكن هذه كانت (فلسفتهم)، فهل يحق لأحد أن يقوم بجرة قلم ليكفر كل هؤلاء المسلمين؟ وهل يعقل أن يكون ثلاثة من الأمة الأربعة محل اتهام لأنهم كانوا أقرب إلى التصوف كما يصر عدد من علماء الصوفية أنهم كانوا أصحاب طرق صوفية، وإن لم تكن بذلك الوضوح الذي برز فيما بعد بدخول بعض الممارسات التي اعتبرها أؤلئك السلف لاتليق بالدين الإسلامي الحنيف.
فهناك من يثبت منهم أن الإمام أبا حنيفه والإمام مالك والإمام أحمد بن حنيل كانوا محسوبين على أهل التصوف! وقائمة أسماء كبار العلماء طويلة ممن عُدُّوا ضمن المتصوفة، بل إن مشايخ أجلاء مثل الشيخ ابن تيمية دافع عن الصوفية حيث قال عن تمسك الصوفية بالكتاب والسنة: “فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف مثل الفضل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والسري السقطي والجنيد بن محمد وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبدالقادر الجيلاني والشيخ حماد والشيخ أبي البيان وغيرهم من المتأخرين، فهم لايسوغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيَّين، بل عليه أن يعمل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت، وهذا من الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف وهذا كثير في كلامهم”.
شخصياً أميل إلى أن هذه الممارسات جاءت بسبب الفراغ الكبير الذين كانت تعيشه الناس في تلك الفترة، وأراد كثير من رواد هذا الفكر والطرق أن يوسعوا قاعدتهم فكانوا يجمعونهم عن طرق وأساليب أقرب إلى الفنون لتحفيزهم للانضمام إليهم وليشغلوهم بهذه الأمور عن الدنيا، أو كانوا يرون أن هذه الممارسات مع ذكر الله ورسوله من خلال الرقصات التعبيرية تزيد من قربهم بالله سبحانه وتعالى! حيث تشغلهم عن الأمور الدنيوية وتشجعهم على العمل الجماعي مثل الفلاحين الذين يغنون أغاني جماعية في موسم الحصاد وغيره والغاصة وهم يرددون مع النهام بشكل جماعي ما يحفزهم على العمل.
وحين يأخذ بعض غلاة علماء السلف أمورا سطحية على هذه الممارسات وبعض الأقوال كحكمهم على أن الذي قال أحدهم (ما في الجبة إلا الله) بالكفر علماً بأن باطن العبارة يكشف أن هذا الإنسان قلبه من الصفاء وحب الله سبحانه وتعالى حتى لم يعد في جبته التي يلبسها سوى حب الله وحده ولا مجال لحب الدنيا، وهذا ما يذكرك بقول الامام علي كرم الله وجهه (يا دنيا غُرِّي غيري).
إن ظهور بعض الفلسفات الدينية وبعض العلماء التكفيريين وراء كثير من تشتيت المسلمين فهناك من يكفر أصحاب الفكر الشيعي وفي ذلك إجحاف حقيقي، وربما هذا أحد أسباب تعمق الشرخ بيننا وبينهم، والسبب نفسه ينطبق على بعض علماء الشيعة ومعهم مجموعة من العوام ممن يرفضون التقارب السني الشيعي، وهو ما أضعف المسلمين وخلق كثيراً من الإحساس بالخوف والترقب من قبل السنة تجاه إيران، ولو أضفنا إلى ذلك تكفير بعض علماء السلف للحركات الصوفية وهي بالملايين لأدركنا مدى ما سببه بعض علماء المسلمين من إضعاف حقيقي للأمة المحمدية.
وما دام بيننا جميعاً قاسم مشترك هو الإيمان بالله ورسوله الكريم والسنة النبوية ودستورنا الموحد هو القران الكريم فلماذا يكفر بعضهم بعضاً، وحقيقة إن في ذلك خدمة للمخابرات الأمريكية والأوروبية. ويبدو إن لعبة جديدة بدأت تبرز مؤخراً يراد منها تشتيت المزيد من المسلمين وتعميق الخصومة بينهم لأسباب سياسية، حيث بدأت تنتعش فجأة الطرق الصوفية خصوصاً وأن هناك قيادات لهم ظهرت تتحدث على المكشوف أنهم ليسوا ضد السياسة الأمريكية بل إن اصابع الاتهام بدأت تشير إلى أن بعض قادة هذه الطرق لديها اتصالات مع الولايات المتحدة وأوروبا، وأن بعضهم يعلن صراحة أنه يقف بشدة مع الأنظمة العميلة للولايات المتحدة الآيلة للسقوط بسبب رفض الجماهير لاستمرارها سيوفاً على رقابهم.
ومع ذلك لايجب أن نسيء لكل أصحاب الطرق الصوفية ونعمم هذه التهمة على الجميع، فهاك أبطال منهم برزوا في العالم الإسلامي ممن أشيرَ إلى أنهم كانوا ضمن الصوفية من أمثال المناضل السوري الشهيد عزالدين القسام والقائد الفذ صلاح الدين الأيوبي الذي طرد المحتلين الأوروبيين الصليبيين من القدس، والمناضل الليبي الشهيد عمر المختار، كما نرى اليوم أصحاب الطريقة النقشبندية في العراق الذين يُبلُون بلاء حسناً في حربهم على قوات الإحتلال الأمريكي.
فبعض مكفريهم من جماعة السلف السنية مثل أحد المشايخ الكويتيين الذي قرأت له ذلك الهجوم التفصيلي عليهم واتهامهم صراحة بالكفر، وأجد أن الكثير من أدلته أوهى من بيت العنكبوت، فقد رأى (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس ما تيسر له ولم يخص الصوف بشيء من الفضل وكان يأكل ما تيسر له من الطعام الطيب ويلبس الحلل الجميلة ويحب العسل وما طاب من الطعام والشراب، وقال من رغِب عن سنتي فليس مني) .
وأتساءل: هل قِصَر الثياب بهذا الشكل غير الجميل يمت الى لبس الحلل الجميلة بصلة؟
وروى أبو داود وأحمد عن عائشة رضي الله عنها (إنها جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم بُرداً من صوف يلبسه فلما عرق ووجد رائحة الصوف طرحها) فهذا الحديث يرد عليهم في دعواهم استحباب لبس الصوف مطلقاً.
وهل انزعاج النبي من لباس الصوف بسبب العرق هو دافع لاتهام الآخرين بالكفر؟ والأطرف من ذلك هو كلامه أن تخصيص الصوف باستحباب اللبس تشبُّه بالنصارى، وهل يرى أن استحبابنا لركوب السيارات الأوروبية تشبُّه بنصارى أوروبا كذلك؟
وقد رأى بعض العلماء أن كلمة (صوفي) أصلها من صوفي أي الحكمة وهي كلمة يونانية أو كلمة في التراث اليهودي، وحمدت الله أنه لم يذكر إنها مشتقة من اسم الممثلة الإيطالية (صوفيا لورين).
المهم لست شديد الاهتمام بصدد الدفاع عن أهل التصوف فأنا ليبرالي مسلم، كل ما يهمني في الأمر هو إيقاف ذبح الوحدة الإسلامية على صخرة التكفير حتى لانُفرِح السياسيين من النصارى واليهود لنهيىء لهم المناخ المناسب ليخدعوهم ياستخدام هذه الشعارات كما استخدموها في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي.
وما أخافني كثيراً أن أحدهم وكان أكاديمياً مغربياً جاء بدعوة من معهد البحرين للتنمية السياسية لإقامة بعض الندوات، ورغم اقتناعي بأهمية دعوته جميع المعارضة للعمل معاً ضمن نسيج وطني واحد حتى لايقفوا أمام نوايا القيادة البحرينية للإصلاح ويعرقلوا التنمية غير أني أحسست أنه جاء ليبشر بالديمقراطية الأمريكية والحرب على الفكر الأشتراكي.

إعلانات

Developed By: Frecsoweb